حقيقة إن النظم الإسلامية، السياسية أو الاقتصادية أو الاجتماعية .. الخ. متميزة في ذاتها، لأنها من صنع الله. فهي خالية من عيوب القصور البشري، والهوى البشري، والنظرة البشرية الجزئية، التي ترى شيئًا وتغفل عن أشياء وترى مصلحة الجيل الواحد ولا ترى مصلحة كل الأجيال، بل ترى زاوية واحدة من الشيء الواحد ولا ترى الزوايا كلها مجتمعة في آن ..
ولكن هذه المزية -على ضخامتها- ليست المزية الوحيدة في النظام الإسلامي ..
والوقوف عندها، تفكيرًا أو تنفيذًا، يفقد النظام أهم خصائصه، وهي قيامه على العقيدة وانبثاقه منها ..
ولتقدير أهمية هذا الأمر، الذي فقد أهميته في نظر كثير من"المثقفين"المحدثين بسبب تلك العدوى الوافدة من الغرب، نضرب أولًا مثالًا من الحاضر الغربي مقارنًا بالواقع الإسلامي، ثم نشير إلى حقيقة تاريخية هامة ذات دلالة لا ينبغي أن تغيب عن الأذهان ..
فأما المثال من الحاضر فهو مسألة الخمر ..
ففي أمريكا قانون يمنع السكر. وهو لا يمنع شرب الخمر ولكنه يمنع السكر فقط! ولا يمنعه انبعاثًا من"روح إنسانية"تقدر قيمة الكيان البشري والمكانة الرفيعة التي خلقه الله عليها لكي يقوم بمهمة الخلافة الراشدة في الأرض، مما يتنافى مع حالة الخدر و"الهروب"التي يسعى الشاربون إلى الوصول إليها .. كلا! إنما يمنعه لأسباب مادية اقتصادية بحتة! فالسكر يؤدي إلى زيادة حوادث الطريق، فيعطل الإنتاج!! ويحدث خسائر اقتصادية!!
أيًا يكن الأمر فهناك"قانون"يمنع السكر! وهناك"توعية"مستمرة ضد هذه الجريمة! وهناك"عقوبة"على ارتكابها!
فماذا كانت النتيجة؟!
فلنسألهم هم .. فإن تقاريرهم السنوية تجيب!
إن جريمة السكر آخذة في الازدياد المستمر، رغم وجود القانون والتوعية والعقوبة! أما في الإسلام فقد حدث شيء آخر ..
حين نزلت آية التحريم:"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلاَمُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ، إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاء فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ اللّهِ وَعَنِ الصَّلاَةِ فَهَلْ أَنتُم مُّنتَهُونَ" [1] أرسل الرسول -صلى الله عليه وسلم- مناديًا ينادي في طرقات المدينة: أيها الناس! ألا إن الخمر قد حرمت!
فقط!
هذا هو كل الإجراء الذي تم!
فماذا كانت النتيجة؟!
كانت النتيجة أن من كان في بيته زق أو دن من الخمر أراقه .. دونما شرطة ولا تحقيق ولا محاكمة!
بل أكثر من ذلك، وأعجب من ذلك .. أن من كان في فمه شربة من الخمر أراقها! ولم يقل لنفسه: أشرب هذه لأنها في فمي بالفعل، ثم امتنع بعد ذلك! ذلك أن الله هو الذي حرم الخمر، وهو يتعامل مع الله!
وذلك هو الفارق بين النظام الذي يقوم على العقيدة وينبثق منها، والنظام الذي تقوم عليه"الدولة"وتحرسه تنظيماتها.
وفي الإسلام دولة تقوم على النظام، وتشريع يحرسه .. ولكن ذلك ليس هو الإجراء الأول، بل هو الإجراء الأخير:"يزع الله بالسلطان ما لا يزع بالقرآن".. فالوازع الأول هو القرآن، والوازع الأخير هو السلطان!
تلك شهادة الحاضر الغربي مقارنًا بالواقع الإسلامي، وهي غنية عن البيان ..
أما شهادة التاريخ، ذات الدلالة الهامة، فهي أن الإسلام قد بقي حتى اليوم في الأرض لأنه عقيدة، ونظام قائم على عقيدة، وليس لمجرد أنه نظام!
لو أنه مجرد نظام لتفتت بمجرد أن تفتت"الدولة"أو بالكثير حين ألغيت الدولة!
(1) سورة المائدة: 90 - 91.