وتلك هي أشد المواضع تشابهًا في قصص القرآن كله .. وقد رأينا بوضوح أنها تتشابه ولا تتماثل .. مثل ثمار الجنة!
من أكثر الموضوعات ورودًا في القرآن الحديث عن آيات الله في الكون في معرض الحديث عن قضية الألوهية .. وفي السور المكية بصفة خاصة ترد هذه الإشارات بكثرة ملحوظة قد توهم لأول وهلة بوجود التكرار بمعنى التماثل!
ومع ذلك فظاهرة التنوع -مع التكرار- ربما كانت أظهر في هذه الإشارات الكونية منها في القصص القرآني!
ويطول بنا الحديث لو مضينا نتتبع أشكال التنويع المختلفة التي يتبعها السياق القرآني في هذه الموضوعات [1] .
ولكنا نكتفي بمثال واحد لعله يغنينا -بوضوحه- عن مزيد من الأمثلة في هذا المجال.
في سورتي"الأنعام"و"يس"حديث عن آيات الله في الكون، في معرض الرد على المكذبين الذين يطلبون تنزيل آية حسية، ويعلقون إيمانهم على نزول هذه الآية .. و"الموجودات"في السورتين تكاد تكون واحدة: الشمس والقمر والنجوم والماء النازل من السماء فينبت به الزرع، وخلق الإنسان من التقاء ذكر وأنثى ... ومع ذلك فما أبعد الفرق بين"الجو"الذي تحشد فيه هذه الآيات وتلك، وما أشد تأثير هذا الجو في طريقة العرض في السياقين!
"إِنَّ اللّهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ ذَلِكُمُ اللّهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ، فَالِقُ الإِصْبَاحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ، وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ قَدْ فَصَّلْنَا الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ، وَهُوَ الَّذِيَ أَنشَأَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ قَدْ فَصَّلْنَا الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ، وَهُوَ الَّذِيَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِرًا نُّخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا مُّتَرَاكِبًا وَمِنَ النَّخْلِ مِن طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ وَجَنَّاتٍ مِّنْ أَعْنَابٍ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ انظُرُوا إِلِى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ إِنَّ فِي ذَلِكُمْ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ" [الأنعام: 95 - 99] .
"وَآيَةٌ لَّهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبًّا فَمِنْهُ يَاكُلُونَ، وَجَعَلْنَا فِيهَا جَنَّاتٍ مِن نَّخِيلٍ وَأَعْنَابٍ وَفَجَّرْنَا فِيهَا مِنْ الْعُيُونِ، لِيَاكُلُوا مِن ثَمَرِهِ وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ أَفَلَا يَشْكُرُونَ، سُبْحَانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنبِتُ الْأَرْضُ وَمِنْ أَنفُسِهِمْ وَمِمَّا لَا يَعْلَمُونَ، وَآيَةٌ لَّهُمْ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ فَإِذَا هُم مُّظْلِمُونَ، وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَّهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ، وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ، لَا الشَّمْسُ يَنبَغِي لَهَا أَن تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ" [يس: 33 - 40] .
هل أحسست بالفرق بين جو هذه الآيات وتلك؟
عد إليها مرة أخرى وعاود تلاوتها ..
أرأيت إلى النغمة الهادئة اللطيفة الهادية في آيات سورة الأنعام، والنغمة الغاضبة العنيفة المتوعدة في سورة يس؟!
خذ أولًا سورة يس!
(1) راجع إن شئت كتاب"التصوير الفني في القرآن".