وبمراجعة النصين تبدو فروق واضحة تقع أحيانًا في حرف واحد، أو في لفظة واحدة، وتقع أحيانًا في جمل بأكملها .. وقد أبرزنا بعض الفروق التي قد لا يلحظها القارئ، ولكنا لم نبرز سائرها لأنها واضحة الاختلاف، وهذا -كما قلنا- فضلًا عن اختلاف السياقين، فقد جاء المقطع الأول في سورة الأعراف في مقدمة قصة طويلة مفصلة عن بني إسرائيل في مصر، وجاء بعدها قصة الآيات الأخرى التي أظهرها موسى لفرعون:"فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ آيَاتٍ مُّفَصَّلاَتٍ"ثم إغراق فرعون وجيشه، ثم خروج بني إسرائيل من مصر، ثم مواعدة الله لموسى، ودك الجبل به، وتنزيل الألواح عليه، وعبادة بني إسرائيل للعجل من بعده وعودة موسى غضبان أسفًا، وأخذه برأس أخيه .. ثم اختيار سبعين رجلًا لميقات الله وأخذ الرجفة لهم .. وقصة السبت .. إلى أن قال:"فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتَابَ ..".
أما في"الشعراء"فتنتهي القصة عند خروج بني إسرائيل وإغراق فرعون، وأن هذه آية لمن أراد الآية ...
ومن هنا يصبح ذلك التشابه في المقطعين المتشابهين تشابهًا جزئيًا بالنسبة للموضوع كله، فضلًا على كونه ليس تماثلًا على الإطلاق.
وكذلك المقطعان المتقاربان في سورتي النمل والقصص:
"إِذْ قَالَ مُوسَى لِأَهْلِهِ إِنِّي آنَسْتُ نَارًا سَآتِيكُم مِّنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ آتِيكُم بِشِهَابٍ قَبَسٍ لَّعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ، فَلَمَّا جَاءهَا نُودِيَ أَن بُورِكَ مَن فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا وَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، يَا مُوسَى إِنَّهُ أَنَا اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ، وَأَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ يَا مُوسَى لَا تَخَفْ إِنِّي لَا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ، إِلَّا مَن ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا بَعْدَ سُوءٍ فَإِنِّي غَفُورٌ رَّحِيمٌ، وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاء مِنْ غَيْرِ سُوءٍ فِي تِسْعِ آيَاتٍ إِلَى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ" [النمل: 7 - 12] .
"فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الْأَجَلَ وَسَارَ بِأَهْلِهِ آنَسَ مِن جَانِبِ الطُّورِ نَارًا قَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَّعَلِّي آتِيكُم مِّنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ، فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِي مِن شَاطِئِ الْوَادِي الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَن يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ، وَأَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ يَا مُوسَى أَقْبِلْ وَلَا تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الْآمِنِينَ، اسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاء مِنْ غَيْرِ سُوءٍ وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ مِنَ الرَّهْبِ فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ مِن رَّبِّكَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ" [القصص: 29 - 32] .
وذلك فضلًا على اختلاف السياقين في السرد. ففي سورة النمل تبدأ القصة من الآيات التي أوردناها وتنتهي بعد آيتين اثنتين، ذكر فيهما تكذيب قوم فرعون وكيف كان عاقبتهم، وفي سورة القصص تستمر القصة -التي بدأت قبل ذلك بكثير، وذكرت مولد موسى وقصة إلقائه في اليم وعودته إلى أمه كي تقر عينها ولا تحزن -تستمر فتذكر جدال فرعون له واستكباره هو وجنوده في الأرض بغير الحق حتى إغراقهم في عشر آيات أخر بعد النص الذي أوردناه ..