الصفحة 185 من 379

وفي هود -بالنسبة للأغراض المتعددة من إيراد القصة- تأتي القصة بتفصيل طويل ملحوظ [تستغرق مجموعة القصص أربع صفحات في سورة الأعراف، وسبع صفحات في سورة هود] ؛ لأن التفصيل أدعى إلى إثبات صحة الوحي:"ما كنت تعلمها أنت ولا قومك من قبل هذا". ويأتي التفصيل في دعوة الرسل وفي ردود أقوامهم عليهم سواء، ويبدو الفارق الملحوظ بينها وبين سورة الأعراف في هذه النقطة؛ لأن بيان طول المراء والمجادلة والصد والتكذيب في أقوام من سبق من الرسل أدعى إلى تثبيت قلب الرسول -صلى الله عليه وسلم- والمؤمنين، حين يرون أن موقف قريش ليس بدعًا من الجاهليات السابقة:"وَكُلاًّ نَّقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنبَاء الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ وَجَاءكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ". ثم يأتي تركيز أشد على نهاية المكذبين، أكثر تفصيلًا مما جاء في سورة الأعراف، لأن ذلك أدعى إلى بيان أخذ ربك للقرى وهي ظالمة:"إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ".

أما في سورة الشعراء فتأتي القصة مختصرة غاية الاختصار [تستغرق ثلاث صفحات] ويمر السياق مرًا سريعًا على تفصيلاتها، في فقرات قصار كأنما هي وقفات سريعة عند المعالم البارزة فيها، لأن المقصود في النهاية هو عرض"الآية"المتضمنة في كل قصة، وليست تفصيلات القصة مطلوبة هنا؛ لأنها لا تضيف كثيرًا إلى الآية"وإنما تكفي اللمسات السريعة القوية التأثير!"

وقد كان يجزئنا في ذلك قصة نوح في السور الثلاث. فقد استغرقت في سورة الأعراف سبعة أسطر تحوي ستًا وسبعين كلمة، واستغرقت في سورة هود صفحتين كاملتين وبضعة أسطر! واستغرقت في سورة الشعراء عشرة أسطر تحوي واحدة وتسعين كلمة منها تسع وعشرون كلمة استغرقها النص المكرر الذي يأتي على لسان كل رسول ..

ولكنا نأخذ مثالًا واحدًا آخر زيادة في البيان:

"وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلاَ تَتَّقُونَ، قَالَ الْمَلأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي سَفَاهَةٍ وِإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الْكَاذِبِينَ، قَالَ يَا قَوْمِ لَيْسَ بِي سَفَاهَةٌ وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِّن رَّبِّ الْعَالَمِينَ، أُبَلِّغُكُمْ رِسَالاتِ رَبِّي وَأَنَا لَكُمْ نَاصِحٌ أَمِينٌ، أَوَعَجِبْتُمْ أَن جَاءكُمْ ذِكْرٌ مِّن رَّبِّكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِّنكُمْ لِيُنذِرَكُمْ وَاذكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاء مِن بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ وَزَادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَسْطَةً فَاذْكُرُوا آلاء اللّهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ، قَالُوا أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللّهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا فَاتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ، قَالَ قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ رِجْسٌ وَغَضَبٌ أَتُجَادِلُونَنِي فِي أَسْمَاء سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وَآبَآؤكُم مَّا نَزَّلَ اللّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ فَانتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُم مِّنَ الْمُنتَظِرِينَ، فَأَنجَيْنَاهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِّنَّا وَقَطَعْنَا دَابِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَمَا كَانُوا مُؤْمِنِينَ" [الأعراف: 65 - 72] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت