فمع أن القصص هي هي في السور الثلاث، بما يبدو منه لأول وهلة أنها مكررة فيها جميعًا، إلا أنها تجيء في كل مرة بصيغة مختلفة تمامًا -في مجموعها- عن صورتها في كل من السورتين الأخريين. ذلك أن كل سورة تركز على جانب معين، وتعرض ذات القصة لهدف مختلف! ومع أن التوحيد قائم في هيكل القصة في السور جميعًا: الرسول -كل رسول- يأتي بالكلمة الواحدة والقضية الواحدة، والملأ -كل ملأ في كل جاهلية- يكذبون الرسول ويصدون عنه ويتوعدونه، وفي النهاية ينجّي الله رسوله والذين آمنوا معه ويدمر على الكافرين .. مع وجود هذا التوحيد المقصود في هيكل القصة العام في السور الثلاث، إلا أن"المقادير"المأخوذة من كل موضوع تختلف في كل سورة عن الأخرى باختلاف الهدف من إيرادها، ونقطة التركيز فيها!
فقد جاء عن هدف إيراد القصص في سورة الأعراف قوله تعالى:"تِلْكَ الْقُرَى نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنبَآئِهَا وَلَقَدْ جَاءتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا بِمَا كَذَّبُوا مِن قَبْلُ كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللّهُ عَلَىَ قُلُوبِ الْكَافِرِينَ، وَمَا وَجَدْنَا لأَكْثَرِهِم مِّنْ عَهْدٍ وَإِن وَجَدْنَا أَكْثَرَهُمْ لَفَاسِقِينَ" [101 - 102] .
وجاء في سورة هود:"تِلْكَ مِنْ أَنبَاء الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنتَ تَعْلَمُهَا أَنتَ وَلاَ قَوْمُكَ مِن قَبْلِ هَذَا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ" [49] .
وكذلك:"ذَلِكَ مِنْ أَنبَاء الْقُرَى نَقُصُّهُ عَلَيْكَ مِنْهَا قَآئِمٌ وَحَصِيدٌ، وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِن ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِن دُونِ اللّهِ مِن شَيْءٍ لِّمَّا جَاء أَمْرُ رَبِّكَ وَمَا زَادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ، وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ" [100 - 102] .
وكذلك:"وَكُلاًّ نَّقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنبَاء الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ وَجَاءكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ" [120] .
أما في سورة الشعراء فقد كان التركيز على"الآية"المتضمنة في كل قصة:"إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُم مُّؤْمِنِينَ".
وتبعًا لاختلاف الهدف من إيراد القصة اختلف طولها"ومقاديرها"واختلفت كذلك ملامحها، وإن كانت قصة واحدة في النهاية!
ففي الأعراف تأتي القصة مختصرة بالقياس إلى سورة هود، ويأتي التركيز أكثر على دعوة الرسول، فيفصّل الحديث فيها، أما التكذيب فيأتي مجملًا. لأن المقصود في القصة أن المكذبين يصرون على تكذيبهم مهما جاء به الرسول من بينات. فتفصّل البينات التي يأتي بها الرسول، ويعرض موقف التكذيب جامدًا مصرًا لا حركة فيه!