ولا يحتاج الأمر -ولا يتسع المجال هنا كذلك- لبسط أمثلة لكل موضوع من موضوعات القرآن التي يتكرر ذكرها، لنتبين كيف تعرض في كل مرة بصورة جديدة وإن اتحد الموضوع.
إنما نكتفي أولًا بتقرير هذه القاعدة العامة: أن كل سورة من سور القرآن على إطلاقها لها شخصيتها المتميزة وجوّها الخاص. وكل نص من نصوص القرآن -وإن بدا متشابهًا- فإنه يأخذ جو السورة التي يرد فيها، ومن ثم تكون له ملامحه الخاصة في كل مرة.
أحيانًا تتقدم كلمة أو تتأخر كلمة! [بذاتها أو مع تغيير في ملامحها] :
"وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الْأَرْضِ .." [1] .
"وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا" [2] .
أحيانًا يتغير حرف واحد!
".. وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ" [3] .
".. وَتَرَى الْفُلْكَ فِيهِ مَوَاخِرَ لِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ" [4] .
المهم ألا تجيء الملامح ذاتها مرتين! إنما يحدث في كل مرة نوع من التغيير!
فإذا اتضحت لنا هذه القاعدة العامة فلنجتزئ بعد ذلك ببعض النماذج من القصة، ومن آيات الله في الكون، ومن مشاهد القيامة، تزيد الأمر في حسّنا وضوحًا.
في سورة الأعراف وسورة هود وسورة الشعراء ترد مجموعة من القصص مكررة الموضوع، هي قصص نوح وهود وصالح وشعيب مع أقوامهم المكذبين. وذات القصة -بالنسبة لكل واحد من هؤلاء الأنبياء -ترد في كل من السور الثلاث، بما يوهم لأول وهلة أن هناك تكرارًا في المفردات وفي المجموع. ونريد هنا أن ننظر في هذه المجموعات من القصص من زاويتين:
أولًا: طريقة التنويع في عرض المجموعة المتشابهة من القصص في كل سورة على حدتها، مع إبراز التشابه -بل الوحدة- في موضوعاتها جميعا.
ثانيا: طريق التنويع في عرض القصة الواحدة من سورة إلى سورة باختلاف الجو الخاص بكل سورة.
فمن مقاصد إيراد هذا اللون من القصص كما أسفنا من قبل إبراز حقيقة معينة، هي أن كل الرسل قد جاءوا بكلمة واحدة من عند الله: لا إله إلا الله. وبقضية واحدة يبلغونها للناس: اعبدوا الله ما لكم من إله غيره.
ومن مقاصده كذلك إبراز حقيقة أخرى: أن كل الأقوام قد كذبت رسلها ولم تستجب لما بلغها به الرسل من عند الله.
ومن مقاصده أيضًا بيان أن الله نجّى رسله في النهاية مع الذين آمنوا معهم، ودمر على المكذبين.
فكيف تأتي هذه المعاني كلها في القصص القرآني؟
نجد في السور الثلاث التي أشرنا إليها نسقًا معينًا يجري فيها جميعًا هو توحيد الكلمة التي ينطق بها النبي المرسل إلى قومه. ففي سورة الأعراف وسورة هود نجد كل نبي ينطق بهذه العبارة:"يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ". أما في سورة الشعراء فتجيء هذه العبارة المكررة على لسان كل رسول:".. إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ، فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ، وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ".
وهنا نجد أن تكرار النص على لسان كل رسول أمر مقصود لذاته، لإبراز ذلك المعنى الذي أشرنا إليه، وهو أن كل الرسل قد جاءوا بكلمة واحدة وقضية واحدة، وأن دين الله واحد على مدار الأجيال، وإن اختلفت الأقوام في المكان والزمان والأحوال.
ولكن التنويع أمر مقصود كذلك! لأن منزل هذا الكتاب سبحانه يعلم طبيعة المخلوق البشري، ورغبته في التنويع!
(1) سورة النور: 55.
(2) سورة الفتح: 29.
(3) سورة النحل: 14.
(4) سورة فاطر: 12.