إن أي محاولة لتصور اللفظ منفصلًا عن المعنى، أو المعنى منفصلًا عن الأسلوب هي محاولة خاطئة منذ البدء. ولقد تقتضينا ضرورات البحث العلمي أن نتحدث عن الأمور في هذه الصورة المجزأة المنفصلة الأجزاء. أما في عالم الواقع فلا يمكن أن يوجد هذا التجزؤ ولا ذلك الانفصال.
ولتوضيح الأمر نضرب مثالًا من وجه الإنسان.
إن كل وجه بشري مكون من عينين وشفتين وأنف وأذنين .. إلخ. فإذا كان هذا"الموضوع"بالنسبة للوجه، فإن"الأسلوب"هو اجتماع هذه الأعضاء على نحو معين من التناسق يعطيها"شكلًا"معينًا ذا ملامح محددة. فهل يمكن في أية لحظة أن نتصور وجه فلان من الناس على أنه مجرد عينين وشفتين وأنف وأذنين .. الخ، أم نتصوره دائمًا على أنه تلك"الملامح"الناشئة من اجتماع هذه الأعضاء على النحو المعين، حتى وإن تحدثنا أحيانًا عن صفات خاصة بكل عضو من الأعضاء؟
وكذلك الأمر في التعبير بالألفاظ. المعاني المجردة -أي المعاني الذهنية لكل لفظ بمفرده أو لمجموع العبارة- هي الأعضاء أو العناصر التي يتكون منها من الموضوع. ولكنها -مجردة- ليست هي التي تعطينا المعنى المقصود في الحقيقة، أو ليست هي التي تعطينا"التأثير"الحقيقي. إنما الذي يعطي المعنى الحقيقي أو"التأثير"هو اجتماع هذه المعاني على نحو معين من التناسق يعطيها ملامح محددة.
وإذا كان الأمر كذلك في الكلام بصفة عامة فهو كذلك في القرآن بصورة أدق .. وخاصة حين نتحدث عن ظاهرة التكرار في القرآن.
ففيما عدا النصوص النادرة التي أشرنا إليها لا يوجد نصان متماثلان في القرآن كله! إنما يوجد تشابه فقط دون تماثل. تشابه كذلك الذي قد يوجد بين الإخوة أو الأقارب، ولكنه ليس تكرارًا بحال من الأحوال. إنه مثل ثمار الجنة:"لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِن ثَمَرَةٍ رِّزْقًا قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِن قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا" [1] .
فهم حين يتناولون الثمرة لأول وهلة يقولون: هذا الذي رزقنا من قبل! فإذا تذوقوه عرفوا أنه مختلف عنه، يشبهه ولكنه لا يماثله! ومن ثم يعيشون في مذاقات متجددة على الدوام وإن بدت لأول وهلة مكررة.
وكذلك الحياة مع القرآن. إنها تعطي مذاقات متجددة على الدوام وإن بدت لأول وهلة مكررة .. وذلك في حدود ظاهرة التكرار التي نتناولها في هذا الفصل، ولسنا نتحدث بشيء هنا عن المذاقات المتجددة التي يجدها الإنسان مع المعنى الواحد كلما فتح الله عليه بإحساس جديد أو تصور جديد، أو قبس من النور العلوي جديد .. فذلك أمر آخر لا ينتهي ولا ينفد ما دامت الحياة!
أكثر الموضوعات تكرارًا وتنوعًا في ذات الوقت هي موضوعات العقيدة بمفرداتها الستة التي ذكرناها في أول الكتاب: الإيمان بالله، واليوم الآخر، والملائكة والكتاب والنبيين والقدر خيره وشره، وقصص الأنبياء، وقصة آدم والشيطان، وأخلاقيات الإيمان وذلك في السور المكية والمدنية على السواء [2] . أما في السور المدنية خاصة فالموضوع المتكرر -إلى جانب العقيدة- هو موضوع الجهاد في سبيل الله، وكل ما يدور حوله من جميع نواحيه. أما التشريعات فهي بطبيعتها لا تحتاج إلى تكرار، ويكفي الأمر بها مرة واحدة. إنما الذي كان في حاجة إلى تكرار الحديث فيه هو وجوب الطاعة لله. وقد تم ذلك في فترة التربية في مكة حتى استقرت قاعدته تمامًا، ولم يعد الأمر في حاجة إلا لأن يعرف المؤمنين ماذا أمر ربهم فيستجيبون .. مع التذكير الخفيف بين الحين والحين [3] .
(1) سورة البقرة: 25.
(2) قلنا من قبل إن حديث العقيدة لا ينقطع في السور المدنية.
(3) سنتحدث في الفصل التالي عن السور المدنية وموضوعاتها.