وهناك نظم فصلت بين القيم الروحية والقيم المادية، فأهملت الروح، ونبذت كل ما يتصل بها من قيم، فنشطت نشاطا جما في عالم المادة وعالم الجسد، ولكنها لفقرها الروحي انقلبت تتقاتل وتتنابذ، فلم تعد تعرف الراحة ولم تعد تعرف السلام.
الهندوكية والبوذية وما نحا نحوهما من الديانات والفلسفات والعقائد، كبتت الجسد لتعلي من شأن الروح، فوصلت إلى السلبية المريضة وإلى الهزال.
والمادية الأوربية كبتت الروح لتعلي من الإنتاج المادي والمتاع الجسدي، فوصلت إلى ما يشبه الحيوانية في صلات الناس بعضهم ببعض: من استعمار واستعباد واستغلال. وهبوط خلقي وروحي في أمور الجنس خاصة .. حيوانية لا تليق بالإنسان.
ثم إن أوربا المادية هي التي فصلت بين القيم المختلفة: فأقامت السياسة والاقتصاد بمعزل عن القيم الروحية. وأقامت شئون الجنس بمعزل عن الأخلاق. وشئون الدنيا بمعزل عن الآخرة. وشئون الحياة بمعزل عن الدين. وكانت النتيجة تصادم هذه القيم المقطوعة من جذورها المشتركة، والصراع المدمر العنيف، والشد والجذب في داخل النفس بصورة تتلف المشاعر وتُمْرِض الأعصاب. فوصلت حوادث الجنون والانتحار وضغط الدم والأمراض العصبية والنفسية إلى درجة لا مثيل لها في التاريخ.
وكل ذلك لأنها لم تتعرف على هذه الحقيقة النفسية ولم تُصِخ إليها: حقيقة توحد الكيان البشري، والترابط في داخل النفس الإنسانية بين الروح والجسد، والترابط فيما يصدر عنهما من إشعاعات.
والإسلام -كلمة الله إلى الأرض- هو وحده الذي تمشى مع الفطرة البشرية كما خلقها الله.
الفطرة البشرية هي قبضة الطين ونفخة الروح العلوية في ذلك الطين، وامتزاجها به وتوحدها فيه.
والإسلام هو النظام الذي يربط بين كل ألوان النشاط البشري، ويوحد بينها في الاتجاه.
يربط بين الروح والجسد ويوحد بينهما في كل ما يصدر عنهما من مشاعر وأفكار وأعمال.
الطعام والشراب يبيحه .. ثم يجعله باسم الله .. أي يجعل له قيمة روحية مصاحبة. وبهذا يجعل الطعام والشراب مسألة إنسانية لا حيوانية. ويقضيهما الإنسان على طريقة الإنسان لا على طريقة الحيوان. ويكون بذلك متمشيًا مع الفطرة السوية التي أودعها الله في الإنسان.
وحين يجعلهما باسم الله، فهي ليست كلمة تقال .. وإنما هي حقائق كثيرة تجعل الارتباط كاملا فيهما بين نشاط الجسم ونشاط الروح.
فالطعام ينبغي أن يكون من حلال:"يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الأَرْضِ حَلاَلًا طَيِّبًا" [1] ."وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللّهُ حَلاَلًا طَيِّبًا" [2] .
وأن يذكي هو ذاته قبل تناوله بقراءة اسم الله عليه، أي بربطه بالله في الوجدان:"وَلاَ تَاكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ" [3] .
وألا يسرف الإنسان فيه بلا ضابط:"وكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلاَ تُسْرِفُوا" [4] .
وألا يستأثر به وحده:"فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ" [5] .
وألا يجعله همه الشاغل، ولا هدفًا في ذاته، وإنما وسيلة لهدف:"بحسب ابن آدم لقيمات يقمن صلبه" [6] .
وبهذا كله يصبح الطعام مسألة جسمية روحية في ذات الوقت، وبتعبير آخر يصبح نشاطا إنسانيًا صادرا عن الكيان الإنساني الواحد المجتمع المترابط، الذي لا ينفصل فيه كيان عن كيان.
والإسلام يبيح النشاط الجنسي .. ولكنه يجعله كذلك باسم الله.
(1) سورة البقرة [168] .
(2) سورة المائدة [88] .
(3) سورة الأنعام [121] .
(4) سورة الأعراف [31] .
(5) سورة الحج [28] .
(6) رواه أحمد والترمذي وابن ماجه والحاكم.