الصفحة 148 من 169

وهو ثانيا لا يكبت الجسد ولا النشاط الجسدي [إلا في حالات الاختلال التي تحدثنا عنها في الفصل السابق، ونحن هنا نتحدث عن الأوضاع السوية] وإنما ينظم فقط منطلقات هذا النشاط وينظفها ويضبطها.

إن حكم الروح للكيان الإنساني المترابط لا يمنع الإنسان من الطعام والشراب والجنس، والمتاع الحسي بكل أنواعه، وإنما يضيف إليه فقط متاعا روحيا لطيفا، يجعله شفافا رائقا، متحررا -إلى حد ما- من الضرورة القاهرة والقيد المتحكم.

إنه يأكل ويشرب -كما مر بنا- ولكن بلا إسراف. فسيطرة الروح تضبط هذا الإسراف وتنظمه، وإن كانت لا تكبته من أساسه. ثم لا يجعل الطعام والشراب هدفا في ذاته، وإنما وسيلة لحفظ الأود؛ وسيطرة الروح هي التي توقظ الإنسان للهدف من كل عمله يعمله، لأنها هي المنوطة بالوعي والإدراك. ثم يتحرى النظافة والطهارة في طعامه وشرابه؛ وسيطرة الروح هي التي تتحرز من القذارة الحسية والمعنوية، وتختار السلوك النظيف لأنها هي المنوطة بالاختيار. ثم هو يبعد عن نفسه الأثرة البغيضة، فيشرك معه غيره في طعامه وشرابه ["وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ"] وسيطرة الروح هي التي تدفع إلى هذا البذل والإيثار، لأنها هي المنوطة"بالحب"الذي يتوجه للغير.

وينشأ من ذلك الخير ...

خير لا يفوت الفرد ذاته -فهو يستمتع بالقسط المعقول من الطعام والشراب- ثم يصل كذلك للآخرين.

وهو يستمتع بمتاع الجنس بلا إسراف ولا فاحشة، ويستمتع به على مستوى المشاعر والعواطف لا على مستوى الجسد وحده، فيوسع مساحته في النفس، ويضيف إليه ألوانًا من الجمال.

وينشأ من ذلك الخير ..

الخير الفردي، بتمتيع كل فرد بنصيب معقول من المتاع. والخير الجماعي بحفظ المجتمع من الجريمة والتفكك والانحلال والهبوط والتفاهة، التي تصاحب دائمًا الانفلات والإباحية في شئون الجنس.

وهو يملك .. ولكنه يتحرى النظافة فيما يملك، ويتحرى عدم إيقاع الظلم بالآخرين، ويتحرى التزكية لما يملك بإشراك الآخرين فيه.

وينشأ عن ذلك الخير ..

الخير الفردي في الاستجابة لنزعة التملك الفطرية في الإنسان. والخير الجماعي بتكافل المجتمع وتعاونه، واشتراكه في الجهد والجزاء.

وهو يبرُز ويسيطر .. ولكنه يتحرى البروز النظيف والسيطرة في سبيل الخير: ["وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا"[1] ."وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ" [2] ]البروز الذي لا يتم بتحطيم الآخرين وسحقهم، وإخضاعهم لنزوات إنسان. والسيطرة التي توجّه إلى الحق وتأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر ..

وينشأ عن ذلك الخير ..

خير فردي بإعطاء الإنسان شخصية إيجابية فاعلة متحركة نشيطة منتجة، مستمتعة راضية. وخير جماعي، بتوجيه المجتمع نحو الخير، وتقليل فرصة الظلم والطغيان التي تنشأ من وجود مجتمع خانع سلبي يستسلم لكل طغيان.

وسيطرة الروح هي المنظم لكل ذلك، والضامن له في داخل النفس وواقع الحياة.

وفي كل ذلك لا يكبت نشاط الجسم، ولا تمتنع لحظات"الجنوح"الطبيعية التي يجنح فيها الإنسان بجسده في لذة أو متاع .. وإنما ينطلق الجسم والروح ما تزال ممسكة بالقياد، فتسمح بالمتاع ولكنها تمنع الفحش والإسراف.

وفي كل ذلك يكون الخير صادرًا عن الكيان الطبيعي للإنسان .. حسب تركيبه الأول الذي خلق به بادئ ذي بدء ["لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ"] [3] ويكون متمشيًا مع الفطرة السوية التي ليس فيها اختلال، ولا هي مضغوط عليها من الخارج بشيء لا يناسب طبيعتها.

(1) سورة الفرقان [74] .

(2) سورة المطففين [26] .

(3) سورة التين [4] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت