الصفحة 137 من 169

حب الحياة هو الدافع الأكبر في كيان الإنسان [كما هو في كيان كل كائن حي] . هو السيل المتدفق في مسارب النفس ومسارب الحياة. والضبط المسرف الذي يخنق الدوافع الفطرية قد يفلح في إضعاف هذا الدافع الأكبر حتى ليوشك أن يذبل ويموت. وينصرف الإنسان عندئذ عن الحياة في زهادة يائسة لا تقبل على شيء من متاع الدنيا ولا نشاطها المعقول. وتصير الحياة في نظر صاحبها أياما تقضى حيثما اتفق، بلا هدف محدد ولا غاية مأمولة. ولا يخفى ما في ذلك من تبديد للنشاط وتضييع للطاقة .. ووقف كذلك لدفعة الحياة. فالآمال في الحياة لا تتحقق إلا بالكدح المتواصل. ولا يكدح الإنسان إلا لأنه يريد شيئا فيسعى إلى تحقيقه. فإذا كان لا يريد، فَلِمً يكدح إلا مضطرا لمجرد المحافظة على الحياة في أضيق نطاقاتها؟

والفلسفة الهندوكية المتصوفة المترهبنة قائمة على ذلك: تقوية الضوابط إلى أقصى حد ممكن، وإضعاف الدوافع كذلك إلى أقصى حد. ويقولون إنهم ينعمون بمتاع الروح .. نعم. ولكنهم يغالبون الفطرة البشرية ويحاولون أن يصنعوا منها ما لم تخلق له. فتفسد حياتهم في النهاية وتتوقف عن العمل والإنتاج والامتداد. فضلا عن عملية التعذيب الدائمة للجسد، يمنعه من الطعام والشراب والملبس والمسكن والجنس [إلا قطرات من الشراب وكسر من الطعام وخرق من الملبس لا تقيم حياة إنسان] وتعذيب النفس بمنعها من رغباتها جميعًا في الاستمتاع بالملك والاستمتاع بالبروز [النظيف] ...

وهؤلاء الرهبان الفلاسفة مع ذلك خير بكثير من الأفراد العاديين المرضى بالإسراف في الضبط. فإن لهم إرادة هادفة .. وإن كانوا قد ضلوا الطريق ولكن كثيرًا من المرضى العاديين يفقدون حتى إرادتهم، ويصيرون إلى سلبية ميتة لا خير فيها للحياة.

فأما حين يقوم الصراع العنيف بين القوة الضابطة والدوافع الفطرية، ثم لا تقدر القوة الضابطة على إماتة الدوافع أو إضعافها، وهي مع ذلك لا تصرح لها بالانطلاق في مجراها الطبيعي، فحينئذ تحدث تلك الانحرافات العديدة التي تخصص في كشفها علم النفس التحليلي: من سلوك منحرف [سيكوباتي] وتصرفات شاذة. تصل إلى الجريمة الصريحة في نهاية الشوط.

والكبت الجنسي خاصة مسئول عن كثير من السلوك المنحرف والتصرفات الشاذة، وعن كثير من الجرائم. ولكن ليس على النحو الذي بالغ فرويد في وصفه وتحليله وادعائه. فعقدة أوديب التي ألصقها بالبشرية كلها لا يوجد عليها دليل علمي. وإنما هي حالية مرضية شاذة تنشأ من التعلق الشديد بالأم لأسباب فردية -لا أسباب بشرية عامة. وأيًا كانت الأسباب -وليس هذا مبحثنا هنا- سواء كانت قسوة الأب الشديدة، أو تدليل الأم الزائد، أو عدم وجود الأب، أو نفور الطفل من سلوك شائن يتعلق به .. إلخ .. فهي حالة فردية شاذة، قد تمنع الطفل الذكر من الاتجاه الجنسي الصحيح، وقد تدفعه لاستقذار الجنس في لاشعوره. وقد تدفع به إلى الشذوذ، أو ألوان أخرى من الانحراف. كما أن التربية التي تصب في نفوس الأطفال النفور من الجنس واستقذاره تؤدي إلى انحرافات من هذا النوع. ولكن فرويد وأتباعه قد بالغوا في ذلك إلا حد يفهم منه أي ضبط للمشاعر الجنسية أو توجيه بشأنها سيؤدي إلى تلك الانحرافات. وذلك غير صحيح. فلا بد من الضبط في شئون الجنس كما لا بد منه في كل تصرف إنساني. في الطعام والشراب والملك والقتال والبروز .. وإلا فكيف نتصور الإنسان في هذه الأمور كلها بغير ضبط؟ ولماذ نجيز الضبط في الأمور كلها إلا في الجنس؟!

هذا هو الإسراف الذي ينبغي أن نحذره ونحن نتحدث عن الكبت الجنسي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت