الصفحة 70 من 114

تقدم العلم في أوربا بما تعلمته في مدارس المسلمين اولا ، وكان أبرز ما تعلمته هو المنهج التجريبي في البحث العلمي . ثم تقدم ثانيا بما بذل الأوربيون من جهد جبار في ميدان التجربة والبحث ، مع الجلد والمثابرة وعبقرية التنظيم . . ولكنه في كل خطواته كان معاديا للدين بسبب حماقة الكنيسة الكبرى في معاداة العلم والعلماء .

وألقى العلم ثماره الجنية على الساحة الأوربية فتقدمت العمارة المادية للأرض تقدما هائلا ، وارتقت أحوال الناس المادية وانتعشت ، واكتسبت أوربا قوة مادية فتحت بها الأرض وسيطرت عليها ، فعاد عليها ذلك بمزيد من الثروة ومزيد من الرفاهية والتقدم المادي .

وكان هذا الوضع"الحديث"أفضل ولا شك من أوضاع أوربا في عهود"الظلام".

ولما كان هذا كله قد تم بعد إقصاء أوربا لدينها والانفلات منه ، فقد وَقَرَ في وهمها مرة أخرى أن"الدين"هو المعوق عن الحضارة ، وأن الحضارة يجب أن تكون معادية للدين لكي يقطف الناس ثمارها ويستمتعوا بها ، وأن المعيار الذي يعيّر به الرقي البشري هو"الحضارة"وليس"الدين".

وهنا وَهْمٌ مزدوج وقعت فيه أوربا وهي تفرّ من غول الكنيسة بلا وعي ولا انضباط .

أحد طرفي الوهم تصورها أن"الدين"من حيث هو ، كان هو المعوق عن الحضارة . بينما كان المعوق عن الحضارة في الحقيقة هو دين الكنيسة المحرف ، ثم سلوك الكنيسة بذلك الدين المحرف الذي ابتدعته من عندها ولم يتنزل من عند الله بهذه الصورة المحرفة .

والطرف الآخر من الوهم هو تصور أوربا أن الحياة بلا دين أفضل في جميع الأحوال وفي جميع المجالات من الحياة بالدين . .

وسنسلم بأن حياة أوربا في ظل دينها كانت سيئة ، وكان لا بد لها من التمرد على ذلك الدين لكي تحسن أحوالها السيئة وتخرج من الظلام الدامس الذي كان يكتنف قرونها الوسطى المظلمة .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت