ذلك أنها حين خرجت من أسر الكنيسة الجائر أخذت تتعلم . . وكان العلم في ذاته صراعا هائلا مع الكنيسة التي حرّقت العلماء وعذبتهم لأنهم قالوا بكروية الأرض ، وخالفوا بعلمهم"معلومات"الكنيسة ، أو بالأحرى خرافاتها التي كانت تحرص عليها جهالة منها ، وتبثها باسم الدين (1) . ونشأ من هذا الصراع افتراق طريق العلم عن طريق الدين بغير موجب"موضوعي"، ووقوف العلم والدين في حس الأوربيين موقف التضاد والتقابل ، فمن أراد العلم أهمل الدين ( أو عاداه ) ومن أراد الدين أهمل العلم ، وانفصلت بذلك في نفس الغربي نزعتان توأمتان: نزعة العبادة لله ، وهي فطرة:
( فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ ) (2) ونزعة المعرفة وهي كذلك فطرة أودعها الله في الإنسان ليقوم بدور الخلافة في الأرض: ( وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ) (3) ( عَلَّمَ بِالْقَلَمِ عَلَّمَ الْأِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ ) (4) . وأفسد هذا الصراع طمأنينة النفس إلى خالقها وهي تتدبر آيات الله في الكون ، وتتعرف على خواص الكائنات لتحقق التسخير الرباني لما في السموات والأرض ليكون في متناول الإنسان: ( وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ ) (5) .
(1) كان من أهم أسباب وقوف الكنيسة في وجه العلم أنه كان علمًا إسلاميًا في مصدره ، وكان يهدد بتحول أوربا إلى الإسلام كما أشرنا من قبل ، وهذا السبب تخفيه المراجع الأوربية وهي تتحدث عن الصراع بين الكنيسة والعلم ، لأنها لا تحب أن تعترف بفضل الإسلام والمسلمين .
(2) سورة الروم [ 30 ] .
(3) سورة البقرة [ 31 ] .
(4) سورة العلق [ 4- 5 ] .
(5) سورة الجاثية [ 13 ] .