إن الفكر الإسلامي ، المهتدي بكتاب الله ، المستنير بنور النبوة ، لم يتعرض لتلك الاختلالات التي تعرض لها الفكر الأوربي . وفي قضيتنا بالذات ، التي نتناولها هنا بالبحث ، لم يعتقد المفكرون المسلمون أن كل شيء على الإطلاق ثابت ، ولا أن كل شيء على الإطلاق متغير . إنما اعتقدوا دائما أن هناك ثوابت وهناك متغيرات ، وخاصة في حياة الإنسان .
وما قضية الاجتهاد في الشريعة إلا تجسيد واقعي لهذا الاعتقاد .
فأمور الحياة على الدوام تتغير ، ويجتهد العلماء فيما لم يرد فيه نص ، ولكن اجتهادهم مقيد دائما بضوابط ثابتة ، وهي ما يطلقون عليه"مقاصد الشريعة".
وقبل أن نتعرض لقضية الشريعة ، وقضية الاجتهاد ، نسأل: ما الثابت وما المتغير في الكيان الإنساني وفي الحياة البشرية ؟
هل صحيح أن الإنسان ليس له كيان ثابت ولا فطرة ، إنما هو مجرد انعكاس للحياة المادية المحيطة به ، وأنه من ثم قد تغير تغيرا جذريا منذ عاش على الأرض إلى اليوم ، وأن كل طور مادي مرّ به قد شكل جوهره على صورة مختلفة تماما عما كان عليه في الطور السابق ، وأن إنسان"العصر الصناعي"هو في النهاية كائن مختلف تمام الاختلاف عن الإنسان الزراعي ، فضلا عن الإنسان الرعوي ، فضلا عن سكان الكهوف ؟
يقول"رنيه دوبو"في كتاب"إنسانية الإنسان":