وقد حدث - نتيجة ظروف كثيرة متشابكة لا مجال لتفصيلها هنا (1) - أن أخذت أوربا علوم المسلمين وحضارتهم دون أن تأخذ الإسلام ، الذي انبثقت منه في حياة المسلمين تلك العلوم وتلك الحضارة ؛ فنشأت عندها حضارة معادية للدين ، أو في القليل مبتعدة عنه ، ترفض أن ترجع في شئ من أمور الحياة إلى الوحي الرباني ، وتفضل أن ترجع إلى فكر"الإنسان"وإلى المعرفة البشرية (2) .
وحين قام دارون ينادي بنظرية التطور لم يكن الفكر الأوربي قد تهيأ بعد لقبولها بكل تفصيلاتها وكل إيحاءاتها ، خاصة وهي تنزع عن"الإنسان"كرامته الإنسانية ، وترده إلى أصل حيواني بحت ، وتنزع عنه تفرده الذي يعتز به ، وترده مجرد واحد من الكائنات التي وجدت على الأرض صدفة ؛ وهو متطور نعم ! ولكنه مع ذلك حيوان ! أو كما سماه أحد الداروينيين"القرد الأملس""The Hairless Ape"أي الذي لا يكسو جسده الشعر !
ولكن أوربا مع ذلك تقبلت الداروينية على تردد في مبدأ الأمر، ثم خف التردد تدريجيًا، حتى انقلب في نهاية الأمر إلى حماسة جياشة لا تبقي مجالًا لثبات أي شيء على الإطلاق . . لا الدين ولا الأخلاق ولا التقاليد ولا القيم ولا الأفكار ؛ كما كانت قد أقتنعت من قبل أنه لا ثبات لشيء في الكون المادي . . لا الأجرام السماوية ولا الأفلاك ، ولا الكائنات الأرضية من نبات أو حيوان . . أو إنسان !!
وكان وراء ذلك التحول الذي تم خلال عقود قليلة من الزمن عدة أمور . . .
فالثورة الفرنسية كانت قد هزت أوضاعًا ثبتت من قبل في أوربا وغيرها من بلاد العالم عدة ألوف من السنين .
(1) انظر:"مذاهب فكرية معاصرة"فصل"العلمانية"وكذلك:"العلمانية"لسفر عبد الرحمن الحوالي .
(2) هذا هو منشأ"العلوم الإنسانية"في أوربا ، أي العلوم التي يرجع فيها إلى العلم البشري لا إلى الوحي الرباني ! وهكذا ولدت تلك العلوم معادية للدين من أول لحظة ! .