ويعلم الله أننا ما قصدنا بهذا البيان إصدار حكم على أحد من أعيان الناس . فتلك قضية بينا من قبل في كتابين سابقين (1) أننا لا نتعرض لها في هذه المرحلة من حياة الأمة . إنما نحن في معرض البيان الواجب ، الذي هو أمانة في عنق كل من علم شيئا من حقيقة هذا الدين . . فواجبه أن يبين للناس ما جهلوه من شأن هذه الحقيقة لعلهم يغيّرون ما بأنفسهم فيغير الله لهم:
( إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ ) (2) .
ولقد نسيت الأمة في حقبتها الأخيرة كثيرا من حقائق الإسلام التي كانت في حسها بديهيات لا تقبل النقاش .
وكان من بين ما نسيته هذه القضية الخطيرة ، وهي وجوب الحكم بما أنزل الله عقيدةً لا يكون المسلم مسلما إذا تخلى عنها ، وأن التشريع بغير ما أنزل الله ، والرضى بشرع غير شرع الله شرك مخرج من الملة .
ولئن كان الفكر الإرجائي قد مهد السبيل في الماضي لزحزحة الأمة عن كثير من الأعمال الواجبة - أو في القليل برر لها تقاعسها عن تلك الأعمال - على أساس أن العمل ليس داخلا في مسمى الإيمان ، وأن الإيمان يتحقق كاملا بالتصديق والإقرار فحسب . . فإن الغزو الصليبي - سواء العسكري أو الفكري - قد دفع الأمة دفعة خطيرة وراء آخر الحواجز التي كانت قد وقفت عندها على الرغم من كل تقاعسها وكل انحرافها . . فأخرجها من شريعة الله ، وهو يزين لها عملها ، ويمد لها في الغيّ ، ويوهمها أنها ما زالت في دائرة الإيمان . . .
ولقد قاوم المسلمون الغزو العسكري والغزو الفكري بما كان قد بقي فيهم من طاقة . . ولكن الخواء الذي كانت تعانيه الأمة من جراء انحرافاتها وأمراضها جعل هذه المقاومة أضعف من أن تقف للغزو الكاسح ، فاستتب الأمر للغزاة ، وتم لهم ما أرادوه من صرف الأمة عن الإسلام . . .
(1) انظر"واقعنا المعاصر"و"مفاهيم ينبغي أن تصحح".
(2) سورة الرعد [ 11 ] .