أما المجتمعات فلا بد أن تنالها سنة الله في الحياة الدنيا. ولكن يبقى الفرق بين جزاء الدنيا وجزاء الآخرة أن جزاء الآخرة فوري الوقوع بمجرد انتهاء الحساب. أما جزاء الدنيا فقد لا يحيق بأصحابه إلا بعد أجيال، حسب سنة من سنن الله، هي سنة الإملاء للظالمين قبل أخذهم بالعقاب:
(فَأَمْلَيْتُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ) [سورة الرعد: 32] .
(وَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ ثُمَّ أَخَذْتُهَا وَإِلَيَّ الْمَصِيرُ) [سورة الحج: 48] .
فالكافرون الضالون الوثنيون قد يمكنون في الأرض عدة قرون -إذا اجتهدوا للدنيا وبذلوا فيها جهدهم- قبل أن يلحقهم التدمير، بل قد يفتح الله لهم أبواب كل شيء برغم كفرهم وضلالهم ووثنيتهم، ثم في النهاية يدمر عليهم:
(فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُم بَغْتَةً فَإِذَا هُم مُّبْلِسُونَ، فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) [سورة الأنعام: 44 - 45] .
والتفسير الإسلامي للتاريخ سيذكر ذلك كله ..
سيذكر أن المصريين القدماء كانوا بارعين جدا في الطب والكيمياء والفلك والهندسة وغيرها من العلوم. وأنهم كانوا يقومون بعمليات في المخ (عمليات التربنة لمن يصاب بكسر في جمجمته) وكانوا يصنعون الحديد الصلب والنحاس الصلب أيضا، وكانوا يستخدمون مواد لتلوين النقوش في معابدهم وجدرانهم مر على بعضها أكثر من خمسة آلاف عام وهي بلمعانها لا تزال كأنما تم نقشها الساعة. وكانوا يحنطون الجثث بطريقة لم يهتد أحد إلى أسرارها حتى اليوم، وكانوا يبنون الأهرام بحسابات دقيقة غاية الدقة، كما استخدموا أصلب الأحجار في تماثيلهم ومعابدهم. وسيذكر كذلك أنهم كانوا مقاتلين أشداء، وأنهم أسسوا إمبراطوريات شملت مصر والشام وبلاد النوبة. وسيذكر أنهم شعب دمث الأخلاق لين العريكة، وأنهم حافظوا على رباط الأسرة وكثير من الأخلاق الفاضلة .. ولكنه سيذكر إلى جانب ذلك أنهم كانوا يعبدون العجل أبيس! ويؤلهون الفرعون! ويتذللون إليه ويتعبدونه، ولا يحسون مهانة في أن يكونوا عبيدا له وخدمًا يسخرهم في بناء مجده، ويستخفهم فيطيعونه.
هل يظلمهم التفسير الإسلامي للتاريخ حين يذكر لهم ذلك كله، بإيجابياته وسلبياته، ثم يقول عنهم في النهاية إنهم كانوا يعيشون في جاهلية على الرغم من أن الراجح أنهم أرسل إليهم رسول من عند الله؟ [1] .
هل يظلمهم حين يسمي عهدهم كله الذي استمر أكثر من ألفي عام"الجاهلية الفرعونية"؟
(1) مما يرجح ذلك ما ورد في القرآن من معرفتهم الملائكة، إذا جاء في حديث النسوة في قصة يوسف: (حَاشَ لِلّهِ مَا هَذَا بَشَرًا إِنْ هَذَا إِلاَّ مَلَكٌ كَرِيمٌ) [يوسف: 31] وجاء في كتاب الموتى الذي عثر عليه في بعض مقابرهم وصف دقيق للبعث والحساب والجزاء، لا يتجه البشر إلى التفكير فيه على هذا النحو من عند أنفسهم، وعلى أحد جدران معابدهم نقش يصور الإله يحمل عرشه ثمانية من الملائكة أولي الأجنحة. ويقول تعالى: (وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ) [الحاقة: 17] ولكنهم بعد ذلك كله عبدوا الفرعون وعبدوا الشمس، وعبدوا العجل، وأطاعوا فرعون في كفره وضلاله: (فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ) [الزخرف: 54] .