ثم إن وزن الأمور بغير الميزان الرباني، إن كان مفهوما ممن لا يؤمنون بالله، فكيف يتأتى من إنسان يؤمن بالله ربا، وبمحمد صلى الله عليه وسلم رسولا، وبالإسلام دينا؟!
ولو أن البشر جميعا وزنوا بغير ميزان الله، فهل يغير ذلك شيئا في الأمر؟!
هل للبشر كون غير كون الله يعيشون فيه، ويدبرون أموره، ويرتبون النتائج فيه على هواهم؟!
فإن لم يكن، فما قيمة أن يقولوا لما قال الله عنه إنه فاسد إنه صالح؟ ولمن أحبط الله عمله إن عمله راسخ البنيان؟!
وقد يقول"المثقفون"-معبرين عن موقف سادتهم، وإن ظنوا أنهم يعبرون عن موقف ذاتي- إن هذا المعيار سيسقط أكثر أهل الأرض، لأنهم لم يكونوا مؤمنين بالله ورسالاته!
فما حيلتنا نحن مع البشر؟
هل نستطيع أن نزور لهم تاريخا غير تاريخهم الحقيقي، نقول فيه إنهم لم يكونوا وثنيين؟ كما زور المزورون لإخناتون أنه كان أول موحد في التاريخ؟! بينما كان -كما يقول المزورون أنفسهم -يعبد قرص الشمس بدلا من الله؟! ويقول رب العالمين عن إبراهيم عليه السلام:
(فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ، إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ) [سورة الأنعام: 78 - 79] .
فأين قول المزورين من قول الله؟!
وكون الكثرة من أهل الأرض وثنيين ضالين، والقلة هم المؤمنين المهتدين، لا يغير شيئا في الموازين! فليس الميزان بالكثرة!
(وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ اللّهِ) [سورة الأنعام: 116] .
(قُل لاَّ يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ فَاتَّقُوا اللّهَ يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) [سورة المائدة: 100] .
وأخيرًا قد يقول"المثقفون"إن هذا معيار أخروي، ونحن نؤرخ للحياة الدنيا؛ وبين الدنيا والآخرة تختلف المعايير!
وهو قول غير صحيح!
فمعيار الدنيا -كما أسلفنا القول في الفصل الأول- هو ذاته معيار الآخرة، ولا يمكن أن يكون الأمر غير ذلك ما دام الحساب والجزاء في الآخرة هو على أعمال الإنسان في الحياة الدنيا! فلا يعقل أن يكون حسنا في الآخرة ما ليس حسنا في الحياة الدنيا، أو يكون شرا في الآخرة ما هو حسن وصالح في الحياة الدنيا ..
إنما تفترق الدنيا عن الآخرة لا في المعيار، ولكن في الجزاء ..
فبالنسبة للأفراد قد يملي الله للظالمين منهم حياتهم كلها، فيموتون على ضلالهم وظلمهم وطغيانهم لا ينتقم الله منهم في الحياة الدنيا، ويؤجل لهم جزاءهم كله في الآخرة:
(لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُم بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلاَ سَاء مَا يَزِرُونَ) [سورة النحل: 25] .
وقد يقضي المؤمن حياته كلها مبتلى، لا ينتقم الله له في الحياة الدنيا، ويؤجل له جزاءه كله في نعيم الآخرة:
(إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ) [سورة الزمر: من الآية 10] .
(كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَما الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ مَتَاعُ الْغُرُورِ) [سورة آل عمران: 185] .