الصفحة 82 من 110

وهو غير وارد كذلك لأننا لا نحابي به الأمة الإسلامية حين تنحرف عن الطريق، بل نسجل عليها انحرافها [1] ونبين كيف جرت عليها السنن الربانية التي لا تجامل ولا تحابي، ونبين كيف أنها حين اشتد انحرافها صارت أسوأ من الأمم الجاهلية، لأنها لا هي استقامت على المنهج الرباني، ولا هي اجتهدت للدنيا كما تجتهد الأمم الجاهلية الممكنة في الأرض بحسب السنن الربانية، فأصبحت -كما هو واقعها اليوم- غثاء كغثاء السيل، تتداعى عليها الأمم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها [2] .

فإذا كان التعصب غير وارد، لا في ابتداع المعيار -فهو ليس من صنعنا- ولا في تطبيقه، لأننا لا نجامل الأمة الإسلامية في انحرافها، فقد بقيت دعوى"العلمية"التي تقلق بال"المثقفين"إذا ذكر أمر مستمد من"الدين"!

إن أوروبا قد قالت في دينها ما قالت، وتوجست من أحكامه ما توجست، وأبعدته وأبعدت أحكامه من المجال العلمي، لا لأنه"دين"كما يفهم"المثقفون"بتأثير الغزو الفكري، ولكن لأن تجربة أوربا الدينية في عصورها الوسطى المظلمة مرت بها من خلال الكنيسة التي كان معظم رجالها كما تقول المصادر الأوربية ذاتها يتصفون بالجهالة، والتجبر في الأرض بغير الحق، والحجر على الفكر، ومعاداة العلماء والعلم، وحرفوا كثيرا مما جاء من عند الله، بينما الدين المنزل من عند الله أحكامه صحيحة من جهة، وملزمة من جهة أخرى، لأن الله لا يقول إلا الحق، سواء في التوراة أو الإنجيل أو القرآن أو ما سبقها من الكتب، ولأن ما يقوله الله -وهو الحق- لا يجوز للبشر أن يحيدوا عنه.

(إِنَّا أَنزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِن كِتَابِ اللّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاء) [سورة المائدة: 44] .

(وَقَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِم بِعَيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَآتَيْنَاهُ الإِنجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ وَمُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةً لِّلْمُتَّقِينَ) [سورة المائدة: 46] .

(وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ) [سورة المائدة: 48] .

(وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ) [سورة الأحزاب: 36] .

(قُلْ أَأَنتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللّهُ) [سورة البقرة: 140] .

فليست القضية أن أحكام الكنيسة مرفوضة في المجال العلمي أو ساقطة الحجية لأنها مستمدة من الدين -كما يتوهم"المثقفون"- ولكن لأن الكنيسة في أوربا نفرت الناس من الدين بطغيانها وتجبرها، فكرهوا كل ما تقول حقا كان أو باطلا وأسقطوه من حسابهم.

أما في الإسلام فالقضية مختلفة تماما ..

فلا قد وقع تحريف أو تبديل في كتاب الله المنزل، الذي تكفل الله بحفظه:

(إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ) [سورة الحجر: 9] .

ولا في الإسلام كنيسة تحتكر تفسير النصوص الدينية، أو تحتكر صياغة الأفكار للناس! فهو دين مفتوح متاح فهمه لمن يدرك لغته، ومطلوب تدبره من كل الناس: (أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا) [سورة محمد: 24] .

(كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ) [سورة ص: 29] .

(1) راجع فصل"خطر الانحراف"من كتاب"واقعنا المعاصر".

(2) راجع فصل"آثار الانحراف"من الكتاب نفسه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت