الصفحة 81 من 110

(قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ، الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ، وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ، وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ، وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ، إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ، فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاء ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ، وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ، وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ، أُوْلَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ، الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) [سورة المؤمنون: 1 - 11] .

أو يقول:

(إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لِّأُوْلِي الألْبَابِ، الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىَ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ) [سورة آل عمران: 190 - 191] .

فإنه لا يحدد قالبا معينا ذا أبعاد محددة .. إنما يحدد صفات نفسية وسلوكية معينة، يمكن أن تؤدى على أنماط متعددة، كما كان يؤديها أبو بكر وعمر وعثمان وعلي، ومئات من الصحابة وألوف، رضوان الله عليهم جميعًا، كل منهم نمط مختلف عن صاحبه وإن اتفقوا جميعا في الاتجاه.

"الإنسان كما ينبغي أن يكون"-في نظرة الإسلام الواقعية- كائن مترابط متكامل، متوازن قدر الإمكان ما بين قبضة الطين ونفخة الروح، عابد لله على المعنى الواسع الشامل للعبادة التي تشمل -فيما تشمل- عمارة الأرض بمقتضى المنهج الرباني [1] .

وهذا هو المعيار ..

معيار يقاس به الفرد، وتقاس به الجماعة، وتقاس به الأمة، ويقاس به التاريخ.

فكل فرد أو جماعة أو أمة استطاعت أن تحقق وجودها على هذا الوضع، فعبدت الله وحده وحافظت قدر الطاقة على توازنها وترابطها وتكاملها، وقامت بعمارة الأرض بمقتضى المنهج الرباني، فهي الفائزة في التقويم الإسلامي، التي تستحق أن يفسح لها التاريخ صفحاته، وأن يكتب تاريخها بسطور بارزة في تلك الصفحات.

وكل فرد أو جماعة أو أمة أخفقت في تحقيق هذه الصورة الوضيئة فعبدت غير الله، معه أو من دونه، وفقدت توازنها وترابطها وتكاملها ما بين قبضة الطين ونفخة الروح، فتقاعست عن عمارة الأرض، أو عمرتها بغير المنهج الرباني .. فهي متخلفة في التقويم الإسلامي، لا تستحق أن يسجلها التاريخ إلا في ذيل الصفحات!

وأول ما قد يخطر في بال"المثقفين"الذين تعودوا بحكم ثقافتهم -أو بالأحرى بحكم الغزو الفكري الذي تجرعوه- أن ينظروا بعين أوروبا، هو أن هذا المعيار"متعصب!"أو أنه"غير علمي"لأنه مستمد من"النظرة الدينية"!

أما التعصب فهو غير وارد، لأننا لا نحكم به من عند أنفسنا. إنما هو المعيار الرباني الذي يقوّم به أعمال البشر في الدنيا وفي الآخرة، والذي تجري على مقتضاه السنن الرانية التي تحكم الحياة البشرية، والتي لا تتبدل ولا تتحول، ولا تنثني عن مجراها مجاملة لأحد أو بغضا لأحد!

(1) راجع إن شئت فصل"مفهوم العبادة"في كتاب"مفاهيم ينبغي أن تصحح".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت