وسيذكر التفسير الإسلامي أن الرومان كانوا بارعين في بناء المدن، ومدها بالماء المحول ببراعة فوق الأسوار، كما كانوا بارعين في بناء الطرق، ومن طرقهم ما لا يزال باقيا حتى اليوم، وكانوا بارعين في القتال، وبرز من بينهم قادة حربيون ذوو قدرة فائقة في القتال وإحراز النصر وتحطيم قوة الأعداء، كما كانوا بارعين في السياسة، وأنهم أسسوا إمبراطورية من أكبر إمبراطوريات التاريخ، وأنهم احتلوا بقوتهم العسكرية والسياسية رقعة واسعة من الأرض لفترة طويلة من الزمن، وسيطروا عليها بقوة فلم تفلت من أيديهم، ولم تتمزق وتتبعثر إلا بأحداث جسام ..
وسيذكر بجانب ذلك أنهم ظلوا وثنيين فترة طويلة من الوقت. وأنهم كانوا يمثلون الطغيان الاستعماري بأجلى صوره، وأن الدولة الأم كانت تستعبد الدول المفتوحة وتستغلها لمجدها الخاص. وأن القيصر كانوا معبودا سواء بسلطة التشريع أو بالطاعة العمياء لكل ما يأمر، وأنهم كانوا يمارسون الاسترقاق على نطاق واسع، وكانوا يعاملون الرقيق بقسوة غير إنسانية، وأنهم كانوا يعيشون فوضى جنسية في فترات متعددة من حياتهم، وكانوا يفتنون بمتاع الأرض على مستوى اللذائذ الحسية المبالغ فيها ..
فهل يظلمهم التفسير الإسلامي حين يسجل لهم هذه وتلك، ويسمي عهدهم"الجاهلية الرومانية"؟
وسيذكر التفسير الإسلامي أن الإغريق كانوا بارعين في الفلسفة والعلوم العقلية، وأنهم علموا البشرية الفلسفة وعلموها التجريد العقلي واستخلاص الأحكام العامة من الجزئيات، والنظريات الكلية من النماذج الفردية، وأنهم كذلك كانوا بارعين في الفنون، وفي الخيال الشعري، وفي فن المسرحية بصفة خاصة.
وسيذكر إلى جانب ذلك وثنيتهم، وتعدد آلهتهم، وتصويرهم العلاقة بين العبد والرب علاقة صراع ومقت متبادل، الإنسان يتمرد على الآلهة ليثبت ذاته، والآلهة تصب لعنتها عليه كلما أراد أن يرفع رأسه. وأنهم اتخذوا العقل إلها يحتكمون إليه في كل شيء حتى ما لا يستطيع العقل إدراكه. كما عبدوا الجسد في صورة تماثيل تجسد الجمال.
فهل يظلمهم التفسير الإسلامي حين يسجل لهم هذا وذاك، ويسمي عهدهم"الجاهلية الإغريقية"؟
كلا! إن التفسير الإسلامي للتاريخ سيسجل التاريخ كله بأمانة كاملة لا يخفى شيئا منه، ولكنه سيعطيه وصفه الذي يستحقه، وتقديره كذلك الذي يستحقه، بغير مبالغة في السلب، ولا مبالغة في الإيجاب ..
والمعيار هو المعيار ..
هل حقق الإنسان غاية وجوده في الأرض؟ أم زاغ عنها، ونكل عن تحقيقها، ضلالا منه، أو اتباعا للشهوات، أو خضوعا للضغوط الواقعة عليه من أصحاب السلطان سواء كانوا فراعنة أو قياصرة، أو كهنة أو سحرة، أو إقطاعيين أو رأسماليين .. وسواء كانت أداة القهر التي يستخدمونها مادية أو روحية أو فكرية أو أيا ما كانت الأدوات.
ليس المعيار هو القوة المادية. فالقوة المادية وحدها -دون قيم مصاحبة -يمكن- بل يغلب- أن تستخدم أداة للطغيان في الأرض بغير الحق، وأداة للفساد والظلم. فكيف تكون -وحدها- أداة لتقويم"الإنسان"؟
صحيح أن فقدانها يعد نقصا يعاب على صاحبه، فمهمة الخلافة التي خلق الإنسان من أجلها تحتاج إلى قوة مادية يتمكن بها الإنسان في الأرض ليؤدي بها مهمته، وقد خلقه الله بحيث يستطيع -حين يجتهد- أن يحصل هذه القوة. فعدم تحصيلها تقصير في أمر هو مؤهل له من جهة، وهو مطلوب منه من جهة أخرى. ولكن مجرد تحصيل القوة ليس هو المطلوب حتى يكون معيارا من المعايير التي يقوّم بها إنجازه. إنما هو مطلوب من أجل شيء آخر. من أجل عمارة الأرض بمقتضى المنج الرباني. فإذا لم تؤد الأداة إلى تحقيق الهدف المطلوب من ورائها، فلا يعتبر مجرد تحصيلها معيارا للتقويم.