واختصار هذه الصراعات كلها إلى صراع واحد، أو إلى صراع واحد رئيسي، هو حماقة مساوية في حجمها لحماقة اختصار الحياة البشرية كلها إلى جانب واحد من جوانبها، وجعل الجوانب الأخرى كلها مجرد انعكاس للجانب الواحد المسيطر صاحب السلطان، وهي في الوقت ذاته مسخ للتاريخ البشري، كما لو تصورنا إنسانا بلا رأس، أو إنساننا بذراع بالغة الطول، وذراع أخرى ضامرة عديمة المفعول .. بدلا من الإنسان الذي خلقه الله في أحسن تقويم!
يسجل التفسير الإسلامي -بواقعيته- كل صراعات البشر التي تحدث بينهم خلال حركتهم في الأرض، والتي ترسم بدورها حركة التاريخ .. ولكنه لا يعطيها وزنا واحدا لأنها في حقيقتها ليست ذات وزن واحد. ولا يشغله حجم الصراع عن النظر في نوعيته وأهدافه.
إن صراع روسيا وأمريكا في الجاهلية المعاصرة قد يكون أكبر صراع شهدته البشرية إذا قسناه بحجم الدولتين، وقدرتهما العسكرية، وقدرتهما العلمية والتكنولوجية، ومطامعهما الشيطانية في السيطرة على ما يسمى"العالم الثالث واستغلال طاقاته وخاماته وثرواته .. ولكنه -في عالم القيم- لا يزيد على صراع أي وحشين من وحوش الغاب على فريسة مشتركة، يريد كل منهما الاستيلاء عليها وحده، أو الفوز منها بأكبر نصيب."
ما الفرق -في عالم القيم- بين أن يغلب هذا الوحش أو ذاك؟ ونتيجة الغلبة في الحالين هي افتراس الفريسة؟ [1]
إنما كان هناك فارق ضخم بين انتصارات الفرس والروم وانتصار الإسلام، لأن انتصار الإسلام كان معناه تخليص الفريسة من الوحش المفترس، ومنحها الحياة .. لا مجرد الحياة .. ولكن الحياة على مستوى"الإنسان".
من أجل ذلك يحتفل التفسير الإسلامي بصراع الحق والباطل من بين الصراعات كلها القائمة في الأرض، ويعطيه المقام الأول، وإن كان -في واقعيته- لا يغفل شيئا من صراعات البشر ولا يغفر أثرها في حركة التاريخ.
يقول تعالى عن صراعات الحياة الدنيا ومنافساتها ومشاغلها -خلال صراع الحق والباطل:
(اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ) [سورة الحديد: 20] .
ولكن يقول جل شأنه عن صراع الحق والباطل:
(وَلَوْلاَ دَفْعُ اللّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الأَرْضُ وَلَكِنَّ اللّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ) [سورة البقرة: 251] .
ويقول:
(وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلّه) [سورة الأنفال: 39] .
ويقول:
(إِنَّ اللّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُم بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) . [سورة التوبة: 111] .
ويقول:
(1) كتب هذا الكلام قبل انهيار الشيوعية وانفراد أمريكا بالقوة والسيطرة ولكن وضع العالم الحالي ليس وضعا دائما ويمكن أن يتغير في أية لحظة ببروز قوى جديدة.