الصفحة 68 من 110

ولم يطق والد الشاب ضربة العصا التي وقعت على ظهر ابنه، وهو الذي كان بالأمس القريب يحتمل السياط على ظهره، وظهر ولده، ويستكين للظلم .. وقرر أن يرتحل في الموسم ليشكو الأمر إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه في المدينة!

فما دلالة ذلك؟؟

دلالته الأولى أن الإسلام -بعدله- قد حرر الناس، فرد إليهم كرامتهم الضائعة، وأشعرهم بإنسانيتهم المفقودة.

ودلالته الثانية أن الناس قد وجدوا في ظل التطبيق الإسلامي الملجأ العادل الذي يشكون إليه حين يقع الظلم عليهم، فصاروا يشتكون، بعد إذ كان الظلم يقع عليهم وهم مستسلمون.

ثم تمضي القصة فتعطي مزيدا من دلالتها.

أعطى عمر العصا للرجل القبطي، وقال له: اضرب ابن الأكرمين!

وهكذا يُضرب ابن"السادة"ليطبق العدل الرباني في الأرض، بينما الخلاف في العقيدة بين"الغالب"و"المغلوب"ليس خلاف مذهب في ظل عقيدة واحدة، بل خلاف جذري في أصل العقيدة يصل إلى حد الافتراق الكامل.

ثم يلتفت عمر رضي الله عنه إلى عمرو بن العاص فيقول له على مسمع من القبطي: يا عمرو! متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا! فيضع مبدأ من مبادئ العدل الخالدة لم تعرفها البشرية قط بين الغالب والمغلوب .. إلا في الإسلام!

هذا -باختصار ووضوح- هو الفارق بين غلبة الحق- بسنة من سنن الله -وغلبة الباطل- بسنة من سنن الله- تجعل من المستحيل التسوية بينهما، وتجعل التسوية بينهما إهدارًا لعبرة التاريخ! وذلك غير اختلاف المصير في الآخرة:

(وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ [1] لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ) [سورة العنكبوت: 64] .

أما التفسير الجدلي فله في القضية موقف خر.

إنه يعرف صراعا واحدا في التاريخ .. هو الصراع الطبقي .. !

ويرسم ذلك التفسير خطوطه كلها حول ذلك الصراع! فهو الذي ينشئ حركة التاريخ، وهو الذي ينقل البشرية من طور إلى طور في حلقات دورية، تنقل مركز السلطة من طبقة إلى طبقة خلال التاريخ.

وأبرز ما في هذا التفسير هو نفيه البات لصراع الحق والباطل، وإسقاطه من دورة التاريخ! فضلا عن سخريته وزرايته بالحق والعدل الأزليين، وسخريته بمن يعتقد أنه كان لهما أي أثر في حياة الناس ..

ولا شك أن الصراع الطبقي له في الجاهلية مكانه وله أثره في مجرى الأحداث .. ولكن رد حركة التاريخ كلها -أو حتى حركته الرئيسية- إلى عامل واحد مفرد- أيا كان هذا العامل، وأيا كانت قوته- هو سذاجة علمية، لا تليق بمن يدعون أنهم أصحاب"التفسير العلمي الوحيد"للتاريخ!

إن حركة التاريخ هي حركة البشر القاطنين على سطح هذا الكوكب، بكل ما يعتمل في نفوسهم من دوافع ورغبات وصراعات، وكل ما يقع منهم وعليهم من تجاذب وتدافع وتصادم، من خلال حيز الزمان والمكان، والتيار الدافع الذي يدفع الجميع.

ومن ثم فكل مكونات النفس البشرية داخلة في حركة التاريخ، وكل الصدامات والصراعات داخلة في حركة التاريخ.

بحث الإنسان عن الله. وبحثه عن الطعام. وبحثه عن الحق والعدل. وبحثه عن الجمال. وسعيه إلى الغلبة والسيطرة. وسعيه لإثبات ذاته. وسعيه لتسخير كنوز السموات والأرض. وسعيه إلى الاستحواذ والملك .. هذه هي حركة الإنسان في الأرض ..

وهي تسير في خطين اثنين: خط الهدى وخط الضلال ..

وتقوم في أثناء حركة البشر على الأرض صراعات كثيرة .. كلها تؤثر في حركة التاريخ، صراعات مادية ومعنوية. صراعات سياسة واقتصادية واجتماعية. صراعات فكرية وعقيدية. صراعات طبقية وفردية. صراعات عنصرية وقومية ووطنية. صراعات من كل نوع، هي انعكاس للوجود البشري وما يشتمل عليه من عناصر ومكونات.

(1) أي الحياة الحقيقية التي تستحق أن تعاش وأن يحرص عليها الإنسان.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت