فالتفسير الليبرالي يتخذها مقياسا من مقاييس الأفضلية، فيجعل الغالب -في معظم الأحوال [1] - هو الأفضل، وقد تكون الغلبة بالفعل للأفضل، تحقيقا لقوله تعالى: (وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ، إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنصُورُونَ، وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ) [سورة الصافات: 171 - 173] .
(وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ) [سورة الأنبياء: 105] .
(كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ) [سورة المجادلة: 21] .
ولكن الغلبة قد تكون أيضًا -حسب سنة من سنن الله- للطغيان والكفر فترة من الوقت، كما كانت للفراعنة والإغريق والرومان، والفرس عباد النار ..
وهي في كل مرة تدل على مزية ما. . ولكنها لا تعني الأفضلية إلا مع الاستقامة على المنهج الحق، أي مع وجود القيم التي تتناسب مع الكيان الأعلى للإنسان.
وإذ يسوي التفسير الليبرالي بين كل غلبة وغلبة -كما يسوي بين كل بقاء وبقاء- فإنه -ببساطة- يسقط عبرة التاريخ، إذ يسوي بين انتصار الحق وانتصار الباطل، ويجعل القوة في ذاته هي الحق كما يقولون في أمثالهم"Might is right"وهو قانون الغاب! حيث القوي هو صاحب الحق، والقوي يأكل الضعيف.
(وَتِلْكَ الأيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ) [سورة آل عمران: 140] .
ولكن هذا ليس معناه أن كلا الانتصارين سواء، أو أنه يجوز لنا أن نسوي بينهما بحال. فحين ينتصر الحق يقوم الناس بالقسط كما أمر الله:
(لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَاسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ) [سورة الحديد: 25] .
وحين ينتصر الباطل يسود الظلم، وتضطرب حياة الناس، ولا يجدون ملجأ يحميهم من الطغيان.
ولنضرب مثلا واحدا يشرح القضية ..
كان الرومان غالبين في الأرض، فيما يسميه التفسير الليبرالي"الإمبراطورية الرومانية العظيمة!"وكان معنى غلبهم هو انتشار الظلم في الأرض، حيث العدل الروماني الشهير ملك للرومان فقط -وهم السادة وهم القلة- وبقية البشر عبيد مهمتهم خدمة الدولة الأم، يحمونها بدمائهم، ويكدحون من أجل رخائها الذي يصل إلى حد الترف واللهو والمجون .. وكانت مصر جزءًا من تلك الإمبراطورية"العظيمة"! وكان نصيبها الهوان والذل، والاضطهاد والظلم، لسبب إضافي غير شهوة استعباد الآخرين، وهو اختلاف المذهب بين المصريين والرومان، إذ المصريون على المذهب الأرثوذوكسي والرومان على المذهب الكاثوليكي. وكانت السياط الرومانية"الشهيرة"تلهب ظهور المصريين بسبب الاضطهاد المذهبي الذي تقوم به الدولة، ولا يجدون ملجأ يشكون إليه ما يقع عليهم من الظلم فيكظمون ذلهم، ويستسلمون للظلم والظلام واليأس، ويسلمون كرامتهم للهوان ..
ثم جاء الإسلام وفتح مصر فحررها من ظلم الرومان .. ووقعت تلك الحادثة التاريخية ذات الدلالة.
تسابق شاب قبطي مع ابن عمرو بن العاص والي مصر، فسبق الشاب القبطي، فضربه ابن عمرو ضربة بالعصا على ظهره، وقال له: خذها، وأنا ابن الأكرمين!
(1) يستثنون من ذلك هجوم قبائل الهون والقوط المتبربرة على الإمبراطورية الرومانية والقضاء عليها!