الصفحة 66 من 110

ومن هنا يختفل ذلك التفسير احتفالا ظاهرا بالجاهليات التاريخية كلها، لأنها امتدت فترة غير قصيرة من الزمن واحتلت مساحة واسعة من الأرض، وإن كان يختص من بينها الجاهلية الفرعونية والجاهلية الإغريقية والجاهلية الرومانية، ويضفي عليها من آيات المديح ما يخيل للقارئ أنها هي التاريخ! أو على الأقل التاريخ الماضي [1] ، بينما التاريخ الحاضر هو الجاهلية المعاصرة! أما بقية الدنيا، وبقية البشر فهم على هامش التاريخ!

وصحيح أن البقاء يحمل دائمًا مزية ما. وأنه أحيانا يعني الأفضلية بالفعل، كما تشير الآية الكريمة:

(فَأَمَّا الزَّبَدُ فَذيَذْهَبُ جُفَاء وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللّهُ الأَمْثَالَ) [سورة الرعد: 17] .

ولكن البقاء وحده لا يحمل معنى الأفضلية في جميع الأحوال حتى تجتمع معه عوامل أخرى أساسية ومهمة. وذلك إذا رجعنا إلى سنة الإملاء التي يملي بها الله للطغيان والكفر، والفساد والانحراف، فيبقى في الأرض فترة تطول أو تقصر .. لحكمة يريدها الله.

والتفسير الليبرالي إذ يغفل سنة الإملاء لأنه -كزميله التفسير الجدلي- يفسر التاريخ بعيدا عن سنن الله وقدره، فإنه يسوي بين نوعي الوجود ونوعي البقاء: البقاء للكيان الذي يكون صالحا بالفعل، والبقاء المؤقت -وإن استمر عدة قرون- للكيان الفاسد المنحرف رغم فساده وانحرافه، بل قد يزداد الإملاء له كلما زاد فساده .. إلى أمد محدود عند الله.

(فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُم بَغْتَةً فَإِذَا هُم مُّبْلِسُونَ، فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) [سورة الأنعام: 44 - 45] .

إنما ينبغي وضع معايير أخرى إلى جانب معيار البقاء، ليتبين إن كان يجري على سنة البقاء للأصلح"-وهي سنة ربانية بالفعل- أم على سنة الإملاء للكفر والطغيان والظلم، وهي سنة ربانية كذلك، والفرق بينهما واضح في الحياة الآخرة، حيث النعيم المقيم للذين كانوا صالحين في الحياة الدنيا بالمقياس الرباني، والعذاب المقيم للذين كان بقاؤهم في الحياة الدنيا بقاء الإملاء والاستدراج. ولكنه واضح كذلك في الحياة الدنيا لا تخطئه عين الفاحص، حيث البركات المفتوحة من السماء والأرض، والطمأنينة التي تملأ القلوب، للنظم والأمم التي يكون بقاؤها جاريا على سنة"البقاء للأصلح"وهي الأمم المؤمنة، المنفذة للمنهج الرباني. وحيث المعيشة الضنك -حتى في ظل الرخاء الاقتصادي [2] - والقلق والاضطراب والحيرة، والصراعات المدمرة والشهوات غير المنضبطة، والهبوط عن المستوى اللائق بالإنسان، في النظم التي يتحقق لها البقاء فترة من الوقت على سنة"الإملاء"للظالمين .."

وقضية"الغلبة"كذلك .. وهي صنو قضية"البقاء".

(1) هناك جاهليات أخرى يشيد بها التفسير الليبرالي للتاريخ كالجاهلية الآشورية، والجاهلية الهندية، والجاهلية الصينية، ولكنه أشد إشادة ولا شك بالجاهلية الفرعونية والإغريقية والرومانية.

(2) ليس الضنك المشار إليه في الآية الكريمة ضنكا اقتصاديا بالضرورة وقد يوجد الرخاء الاقتصادي كما هو الحال في الجاهلية المعاصرة ومع ذلك يكون الضنك النفسي والعصبي على أشده.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت