الصفحة 65 من 110

والسبب في ذلك أنها لا تلتزم أصلا بالمنهج الرباني، الذي يخفف الصراع في الأرض إلى أقصى حد ممكن، ولا تلتزم بالحدود التي رسمها الله للبشر ليمارسوا في داخلها المتاع المباح.

وحين يتجاوز الناس الحدود المرسومة يقع الصدام لا محالة، ويقع الصراع، ويصبح هو الأصل في حياة الناس. يتصارع فرد مع فرد للاستحواذ على قدر أكبر من المال، أو من السلطة، أو من المزايا التي يتيحها المال والسلطة!

وتتصارع جماعة مع جماعة .. وأمة مع أمة ..

وتملأ الحروب الأرض، ولكنها حروب لا تهدف إلى إحقاق حق أو إزهاق باطل .. ولا يختلف فيها الغالب عن المغلوب إلا في العدد والعدة وطول النفس في الصراع! أما القيم فهي القيم المادية الهابطة، التي تهبط مع الغالب وتهبط مع المغلوب!

ولا ينفي ذلك بطبيعة الحال أن يقع في الجاهليات بين الحين والحين صحوة ضمير وسعي إلى قيم أعلى من المتاع الرخيص.

يقول صلى الله عليه وسلم:"دعيت إل حلف في الجاهلية لو دعيت إليه في الإسلام لأجبت".

يقصد بذلك حلف الفضول، الذي اجتمعت فيه بعض القبائل وتحالفت على نصرة المظلوم ورد الحق إلى صاحب الحق، وهي صحوة نادرة من صحوات الضمير في الجاهليات، حيث الأصل الدائم هو العدوان.

نعم، يحدث بين الحين والحين أن تقوم صراعات في الجاهلية من أجل معنى من المعاني الجديرة"بالإنسان".. ولكنها قليلة ونادرة، وسرعان ما تطويها الجاهلية في لجتها، ويطويها النسيان، وتبقى الصراعات المدمرة التي تنشر الفساد في الأرض.

فأما التفسير الليبرالي، المتأثر بجانب من الداروينية فهو لا يرى في ذلك الصراع أمرا واقعا فحسب، بل أمرا مشروعا كذلك، دون نظر إلى أي قيم مصاحبة. إنما هو الصراع من أجل البقاء. فمن حق كل كائن أن يبقى، ومن حقه أن يصارع غيره من أجل أن يبقى. ويزيد الأمر سوءا في هذا التفسير فيأخذ من الداروينية قول دارون: Survival of the Fittest التي ترجمت بمعنى"البقاء للأصلح"وفسرت بأن الذي يبقى في هذا الصراع هو بالضرورة أصلح المتصارعين وأحقهم بالبقاء!

وبصرف النظر عن التأويل المضلل لقولة دارون -على فرض صحتها- فإن دارون لم يكن يتكلم عن عالم الإنسان وما يحدث فيه من صراعات. إنما كان يتكلم بصفة خاصة عن عالم الحيوان (وإن كان كلامه يشمل عالم النبات أيضا) وكان يقول: إنه حين تحدث تحولات في البيئة، أو تحولات في تركيب أجسام الكائنات ووظائفها، فإن أنسب الكائنات لبيئته التي هو فيها هو أقدرها على البقاء ومقاومة أسباب الفناء والاندثار. فالصلاحية التي عناها دارون هي التلاؤم مع ظروف البيئة المحيطة، وليست صلاحية ذاتية ولا مزية ذات أفضلية. فإذا حدثت ظروف كالتي حدثت في العصور الجيولوجية القديمة، فقضت على الأعشاب مثلا نتيجة الجفاف، وأبقت الأشجار فقط، فإن الحيوانات التي يمكنها تركيبها الجسدي من اقتطاف أوراق الشجر هي التي تستطيع أن تعيش، لأنها هي الأنسب لتلك الظروف، بينما تندثر الكائنات التي لا تستطيع أن تطول أوراق الشجر، لأنها لا تناسب الظروف، بصرف النظر عن كونها أرقى أو أدنى من الأخرى في سلم"التطور".,

ولكن الرأسمالية أخذت الكلمة فحرفت معناها، وجعلتها تعني المزية والأفضلية، فأضفت على الصراع الجاهلي المدمر شرعية، ثم زعمت أن من يتغلب في هذا الصراع هو الأصلح للبقاء!!

وفسرت بمقتضى ذلك كل التاريخ! وأصبح المقياس الأول لكل وجود تاريخي هو الزمن والتراب! بمعنى أن الأمة أو الشعب، أو الكيان السياسي الذي يبقى فترة من الزمن أطول، ويحتل مساحة من الأرض أكبر، هو بالضرورة هو"الأفضل"و"الأصلح"بصرف النظر عن مضمونه ومحتوياته!

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت