الصفحة 64 من 110

ولكن الله رسم للمتاع حدودا يعلم سبحانه أنها ترضي الكيان الذي خلقه بعلمه، ويعلم مصلحته وحاجته، ولا تؤدي في الوقت ذاته إلى الفساد في الأرض ولا في الأنفس، وبين هذه الحدود في"الهدى"الذي يتنزل من عنده.

(قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَاتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَن تَبِعَ هُدَايَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ) [سورة البقرة: 38] .

وحين يلتزم الناس بالمنهج الرباني ينحسر الصراع -في المجتمع المسلم- إلى نهايته الصغرى، إن تعذر أن يزول بالمرة .. وهو في الحقيقة لا يزول أبدا -حتى في المجتمع المسلم- لأن الناس لا يصبحون قط ملائكة مهما تعمق الإيمان في قلوبهم، فهم بشر خطاءون في جميع الأحوال وإن كانوا -لإيمانهم- سريعي الأوبة إلى الرشد:

"كل بني آدم خطاء وخير الخطائين التوابون" [1]

(وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ، أُوْلَئِكَ جَزَآؤُهُم مَّغْفِرَةٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ) [سورة آل عمران: 135 - 136] .

لذلك يقع بينهم الصراع الذي قد يؤدي إلى القتال، كما وقع بالفعل في صدر الإسلام، لكنه لا يكون مسفا، ولا يكون على سفاسف الأمور، ولا يهبط بمجموع الناس عن قيمهم العليا، ولا يجعل الناس يخرجون من الإيمان. وإلى ذلك تشير الآية من سورة الحجرات:

(وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِن فَاءتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ، إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ) [سورة الحجرات: 9 - 10] .

وهكذا يحدث الصراع في المجتمع المسلم الملتزم خلافا للأصل، ولكنه لا يبعد مجموع الناس عن مقتضيات الإيمان، ولا يخرجهم منه، ويعودون بعده إلى الأخوة التي تجمع المؤمنين.

وقد كان من عجائب الصراع الذي وقع بين علي ومعاوية أن عليا كرم الله وجهه كان إذا حل المساء وانفصل الجيشان جمع القتلى من الفريقين فصلى عليهم، ثم سلم العدو جثث قتلاه ليدفنوها! وهو أدب نفسي رفيع لا يعرفه إلا من ذاق حلاوة الإيمان، وارتفع إلى الآفاق العليا التي يرفع الإيمان إليها القلوب.

يحدث الصراع في المجتمع المسلم الملتزم خلافا للأصل، ولكن لا يشغل الناس عن القيم الأصيلة في ذلك المجتمع.

(وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ يَامُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللّهُ إِنَّ اللّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) [سورة التوبة: 71] .

فيظل المجتمع عامرًا بألوان من القيم لا يعرفه الناس إلا في ظل الإسلام.

إلا أن يحدث انحراف شديد لا يقوم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فتدركه سنة الله، كما أدركت المجتمع الإسلامي بالفعل، فأصبح غثاء كغثاء السيل.

أما المجتمعات الجاهلية فالأصل فيها هو الصراع!

(1) أخرجه أحمد وأبو داود وابن ماجه والدارمي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت