(فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالآخِرَةِ وَمَن يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللّهِ فَيُقْتَلْ أَو يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا، وَمَا لَكُمْ لاَ تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاء وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ وَلِيًّا وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ نَصِيرًا، الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاء الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا) [سورة النساء: 74 - 76] .
إن صراع الحق والباطل من بين الصراعات كلها التي تجري في الأرض هو الذي يقرر مصير البشرية في الحياة الدنيا، فضلا عن مصير البشر في الآخرة .. وهو الذي يحدد اتجاه سير التاريخ.
إن الصراع الرئيسي في الحياة البشرية ليس هو الصراع بين طبقة وطبقة كما يزعم التفسير الجدلي. وليس هو الصراع بين شعب وشعب، أو بين قائد وقائد، أو بين إمبراطورية وإمبراطورية كما يزعم التفسير الليبرالي. فهذا وذاك -مجردين- لا يغيران شيئا حقيقيا في حياة الناس.
لا فرق في الجوهر بين عهد الرق وعهد الإقطاع وعهد الرأسمالية وعهد الشيوعية. كلها عهود عبودية لغير الله. كلها جاهليات. كلها حكم بغير ما أنزل الله. كلها تقسم المجتمع البشري إلى سادة وعبيد. سادة يشرعون، وعبيد ينفذون ما يشرعه السادة. وهناك ولا شك مئات من الفروق الجزئية الصغيرة بين بعض هذه العهود وبعض، نشأت من أحوال الإنسان المادية والعلمية، ومدى تسخيره لطاقات السماوات والأرض، ومدى طغيان السادة على العبيد في كل نظام. ولكنها كلها تجتمع في جوهر واحد هو تحكيم غير شريعة الله، ومن ثم عبودية البشر بعضهم لبعض، ووقوع الظلم لا محالة، ووقوع الاضطراب والتخبط، وهبوط الإنسان عما أراده الله له من الرفعة والتكريم.
ولا فرق في الجوهر بين هانيبال وأعدائه، ولا بين نابليون وأعدائه، ولا بين هتلر وأعدائه، سواء انتصر هذا القائد أو ذاك.
هناك ولا شك مئات من الفروق الجزئية الصغيرة بين شخصيات أولئك القادة"العظام"! وبين طريقة كل منهم في تنظيم جيشه، وتخطيط حربه، ومناورة عدوه .. إلخ .. إلخ ولكن لا يختلف الغالب منهم والمغلوب في شيء حقيقي من الخصال الجوهرية التي تتوقف عليها إنسانية الإنسان، بحيث يتغير التاريخ البشري لو انتصر المنهزم وتغلب المغلوب!
ولا فرق في الجوهر بين الإمبراطورية الفارسية والإمبراطورية الإغريقية والإمبراطورية الرومانية والإمبراطورية البريطانية والإمبراطورية الفرنسية والإمبراطورية الروسية القيصرية والإمبراطورية الأمريكية والإمبراطورية الروسية الشيوعية ..
هناك ولا شك مئات من الفروق الجزئية الصغيرة بين كل واحدة من هذه الإمبراطوريات والأخرى، في مساحة الأرض التي احتلتها، والزمن الذي ظلت مسيطرة فيه، وطريقة إدارتها لمستعمراتها، وطريقة تسلطها على غيرها .. إلخ .. إلخ. ولكن لا تختلف تلك الجاهليات كلها في وجود دولة أم وأتباع خاضعين للسيادة، ووجود نزعة للسيطرة واستعباد الآخرين، ونزعة للبطش واستخدام القوة للتوسع لا لإحقاق الحق وإزهاق الباطل .. فضلا عن كونها كلها لا تحكم بما أنزل الله. فحين تتصارع لا يختلف الغالب منها عن المغلوب، ولا تختلف أحوال البشر في الأرض من غلبة هذا أو غلبة ذاك.