الصفحة 45 من 110

(زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاء وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللّهُ عِندَهُ حُسْنُ الْمَآبِ، قُلْ أَؤُنَبِّئُكُم بِخَيْرٍ مِّن ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِندَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِّنَ اللّهِ وَاللّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ، الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ، الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقَانِتِينَ وَالْمُنفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالأَسْحَارِ) [سورة آل عمران: 14 - 17] .

هناك دروس مستفادة من دراسة السنن، يعنى بإبرازها التفسير الإسلامي للتاريخ.

من أبرز هذه الدروس التركيز في التفسير الإسلامي على إيجابية الإنسان وفاعليته في داخل قدر الله، واختلاف التفسير الإسلامي في هذه النقطة عن كلا التفسيرين الغربيين، والتفسير المادي الجدلي بصفة خاصة.

فالتفسير الليبرالي يبرز إيجابية الإنسان وفاعليته ولكنه يكاد يلغي قدر الله. أو هو بالأحرى يعرض فاعلية الإنسان كأنها تتحدى قدر الله. امتدادًا للميراث الوثني الذي يصور العلاقة بين البشر وبين الله علاقة صراع وخصام. فبمقدار ما يثبت الإنسان ذاته يكون -في حسهم- قد ألغى قدر الله، وبمقدار ما يبرز قدر الله يكون ضعف الإنسان وفشله وانكساره. بينما التفسير الإسلامي يعطي المعادلة الصحيحة -كما بينا- بين فاعلية الإنسان وفاعلية قدر الله، ويلغي التعارض الظاهري بين هذه وتلك.

أما الاختلاف الأكبر في هذه النقطة فهو بين التفسير الإسلامي والتفسير الجدلي، الذي يلغي فاعلية الإنسان كلها، ويجعله عبدا ذليلا للحتميات.

فمما يلتفت النظر في قضية السنن في هذا الصدد اختلاف سنن الله في الكون المادي عن سننه في الحياة البشرية .. والاختلاف الرئيسي هو أن سنن الله في الكون المادي تجري عن طريق القهر:

(ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ) [سورة فصلت: 11] .

أما مع الإنسان فالشأن مختلف:

(وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَن شَاء فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاء فَلْيَكْفُرْ) [سورة الكهف: 29] .

ويشهد واقع التاريخ البشري أن الناس منهم من اختار الإيمان ومنهم من يختار الكفر. وفي ذلك دليل -إن كان الأمر في حاجة إلى دليل- على أن تركيب الإنسان غير تركيب المادة، وإن كان مكونا من قبضة من طين الأرض ابتداء، ولكن نفخة الروح العلوية فيه قد غيرت خواصه فلم يعد يتصرف كما تتصرف المادة.

وما كان الأمر في الحقيقة في حاجة إلى دليل، لولا الجدل الطويل العريض الذي يقيمه التفسير الجدلي حول قوانين المادة وانطباقها بحذافيرها على الحياة البشرية! وقياس الماديين أحوال الإنسان -من ثم- على أحوال المادة، وانتهاؤهم إلى جبرية القوانين التي تسير حياة الإنسان، لا بمعنى ثبات السنن وعدم تغيرها كما يقول رب العالمين، ولكن بمعنى خضوع الإنسان خضوعا جبريا ذليلا للحتميات المادية وعدم حريته في التصرف إزاءها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت