الصفحة 44 من 110

والنتيجة المطلوبة من المعركة ليست مجرد النصر .. إنما هي بعد ذلك إقرار المنهج الرباني في الأرض بكل المعاني والقيم التي يحملها ذلك المنهج، وهي هي الأمانة التي تعرض لحملها الإنسان بقدر من الله.

وحمل الأمانة -بعد الانتصار على الباطل- لا يصلح له كل الناس. إنما يحتاج لقوم مختارين، يعدون له إعدادًا خاصًا ليحسنوا القيام به. وقد علم الله أن الابتلاء هو الوسيلة للتمييز أولا:

(مَّا كَانَ اللّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنتُمْ عَلَيْهِ حَتَّىَ يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ) [سورة آل عمران: 179] .

وهو الوسيلة للتمحيص والإعداد كذلك.

إن القوم المختارين لحمل الأمانة لن يحسنوا حملها حتى تتصل قلوبهم بالله، وتتعلق به وحده في السراء والضراء، وتتجرد له، فعندئذ يستطيعون أن ينفذوا هذا التوجيه الرباني:

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاء لِلّهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ إِن يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقَيرًا فَاللّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلاَ تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَن تَعْدِلُوا وَإِن تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا) [سورة النساء: 135] .

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلّهِ شُهَدَاء بِالْقِسْطِ وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللّهَ إِنَّ اللّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ) [سورة المائدة: 8] .

والابتلاء هو الإعداد الرباني لذلك كله. حيث يوضع المؤمن في الوضع الذي يحيط به الكفار، غالبين منتفشين بباطلهم، ضاغطين بكل قوتهم، ويلتفت حوله -وهو صاحب الحق- فلا يجد قوة واحدة في الأرض تنقذه من بين براثنهم. فيلجأ إلى الله وحده، ويتطلع إليه وحده، ويتعلق قلبه به وحده، ويعلم أن لن ينقذه منهم إلا هو وحده، حين يقرر سبحانه بمشيئته وحده.

وعندئذ يتم له التمحيص، ويتجرد لله، فيحمل الأمانة على استواء.

أمر آخر يتم في أثناء الابتلاء له علاقة وثيقة بالإعداد لحمل الأمانة .. ففي الحياة الوادعة التي يحياها الإنسان في معتاد حياته تبدو كثير من الأمور كأنها ضرورات لا يستطيع الإنسان الاستغناء عنها، فيشغل نفسه بتحصيلها، وينفق وقته في ممارستها، ويتوزع جهده بينها وبين القيم التي قد يتجه إليها ..

وفي المحنة يكتشف الإنسان أن كثيرا مما ظنه ضرورات: من الفراش الوثير والطعام الوفير وراحة الجسد وراحة البال وهدوء الأعصاب .. الخ .. الخ. قد انتزع منه انتزاعا ومع ذلك يعيش! بل يجد نفسه يعيش من أجل قيم أعلى، ويمارس مشاعر أشف وأصفى مما كان يمارس من قبل. فيتعلم -في درس عملي- أن الحياة من أجل القيم العليا أثمن وأعلى بكثير من المتاع الزائل .. فإذا انتهت المحنة، وصار إلى التمكين في الأرض، لم يشغله المتاع الزائل عن القيم العليا والجهاد من أجلها ونذر الجهد لها، ويتذوق قوله تعالى:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت