فهذه أمم لا تعبد الله -تعبد أصناما أو أوثانا أو تشرك مع الله آلهة أخرى- ومع ذلك فهي ممكنة في الأرض، ومفتوحة عليها كل الأبواب، لا لأن العقيدة الصحيحة في الله لا وزن لها في واقع الحياة، أو أن وجودها وعدم وجودها لا يؤثر في مجرى التاريخ، كما يوحي بذلك التفسير الليبرالي، وكما يقول ذلك بصراحة التفسير الجدلي، وإنما يجري هذا بسنة من سنن الله، لها حكمتها عنده من الإملاء للكافرين ليزدادوا إثما، واستدراجهم من حيث لا يعلمون، ثم التدمير عليهم في النهاية حين يلجون في الغواية ولا يستمعون إلى أوامر الله .. وفوق ذلك كله -وأهم من ذلك كله- مصيرهم في الآخرة وهو النار خالدين فيها أبدا. وهذا المصير هو الذي يحرص العاقل أن يتجنبه، ويتجنب ما يؤدي إليه من الأعمال. ومع ذلك فإن العاقل -إن كان عاقلا حقا- ينبغي أن يتجنب ما يؤدي في الحياة الدنيا إلى المعيشة الضنك، وما يؤدي إلى هبوط الإنسان إلى المستوى الحيواني، وما يؤدي في النهاية إلى دمار قومه الذين ينتمي إليهم ولو لم يحدث الدمار إلا بعد إجيال.
كما أن هذه السنة تقدم التفسير الصحيح لما حل بالمسلمين. فليس الذي أصابهم هو التفاف البرتغاليين حولهم في القرن الخامس عشر أو السادس عشر الميلادي واستيلاءهم على طرق التجارة ونزعها من يد المماليك، ولا تزايد قوة أوروبا وتجمعها ضد الدولة العثمانية .. ولا .. ولا .. من كل الأسباب التي يفسر بها التاريخ الحديث، وهي كلها صحيحة في ذاتها، ولكن الذي أصابها قبل ذلك كله كان تزايد انحرافها عن طريق الله، وكانت كل الأسباب التي توضع لتفسير التاريخ في الحقيقة نتائج لهذه العلة الأولى، متمشية كلها مع سنة الله مع المؤمنين، وهي عدم نصرهم ولا تمكينهم في الأرض وهم منحرفون عن الطريق.
وتوضيح هذه الأمور للمسلمين، سواء بالنسبة لتاريخ الجاهليات، أو لتاريخ المسلمين، أمر على أعظم جانب من الأهمية حين ننظر إلى دراسة التاريخ -كما أشرنا في المقدمة- على أنها درس تربوي في الحقيقة وليس مجرد سرد لأقاصيص التاريخ! ..
كذلك من السنن الخاصة ابتلاء المؤمنين -قبل التمكين- من أجل التمحيص، ليقوم بنيانهم بعد ذلك على تمكن ورسوخ:
(الم، أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ، وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ) [سورة العنكبوت: 1 - 3] .
(وَلِيَعْلَمَ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاء وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ الظَّالِمِينَ، وَلِيُمَحِّصَ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ) [سورة آل عمران: 140 - 141] .
والابتلاء سنة عامة، سبقت الإشارة إليها في صورتها العامة .. ولكننا نتحدث هنا عن سنة خاصة يختص بها الله المؤمنين -الذين اتجهوا إلى الإيمان وساروا في طريقه- ولا يجريها بصورتها تلك ولا لأهدافها تلك على الكافرين.
فهو ابتلاء الرحمة لا ابتلاء الغضب .. وابتلاء الاختيار لا مجرد الاختبار ..
أرأيت لو أن قائدا أراد إعداد جنوده للفوز في معركة صعبة ضارية .. أيكون من الرحمة بهم أن يخفف لهم التدريب ويهون لهم الإعداد، أم تكون الرحمة الحقيقية بهم أن يشدد عليهم في التدريب على قدر ما تقتضيه المعركة الضارية التي يعدّهم من أجلها؟
والمؤمنون هم حزب الله وجنوده -ولله المثل الأعلى- والمعركة التي يعدهم من أجلها هي المعركة العظمى: معركة الحق والباطل، التي ينصر فيها الله الحق على يد أولئك الجنود وحسبما اقتضت مشيئته وجرت سنته.