الصفحة 42 من 110

(فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُم بَغْتَةً فَإِذَا هُم مُّبْلِسُونَ، فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) [سورة الأنعام: 44 - 45] .

(وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا) [سورة النور: 55] .

فالكفار نسوا ما ذكروا به ففتح الله عليهم أبواب كل شيء .. بما يحمله التعبير من كل صور القوة المتخيلة والتمكين: القوة المادية والحربية والسياسية والاقتصادية والعلمية .. إلخ (إلا بابا واحدا هو باب البركة والطمأنينة فأنه لا يمنحه إلا للمؤمنين الذين تطمئن قلوبهم بذكر الله) .. أما المؤمنون فاشترط عليهم لكي يمنحهم الاستخلاف والتمكين والتأمين أن يخلصوا له العبادة ويعملوا الصالحات ولا يشركوا به شيئًا.

وحقيقة أن الكفار لا يمكنون لمجرد كفرهم، إنما -كما ذكرنا من قبل- بمقتضى سنن أخرى مرافقة، هي اجتهادهم لحيازة الدنيا، وبذل الجهد المطلوب لتسخير طاقات السموات والأرض وذخائرها، من علم وعمل وتنظيم وتخطيط، وجدية في أخذ الأمور وتحمل التبعات ... إلخ.

ولكن عبرة السنة أن المؤمنين لا ينصرون بهذه الأدوات ذاتها إذا حادوا عن طريق الله، ولا يمكن لهم في الأرض!

والحكمة في هذا الأمر واضحة .. أو بعض الحكمة على الأقل. فالكفار قال في حقهم:

(مَن كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لاَ يُبْخَسُونَ، أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ إِلاَّ النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ) [سورة هود: 15 - 16] .

والمؤمنون هم حزب الله، الذين يدخر الله لهم الدار الآخرة، ولا يحب لهم أن يفتنوا عنها، ولو مكن لهم مع معصيتهم لفتنتهم! وقالوا لأنفسهم: عصينا الله فنصرنا! فلا علينا من معصيته! فيزدادون انحرافا عن الطريق!

إنما يعاقب المؤمنون في الدنيا بالذل والهوان والهزيمة إذا عصوا الله ولجوا في معصيته، وإذا تركوا الجهاد في سبيل الله بصفة خاصة:

"يوشك أن تداعى عليكم الأمم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها، قالوا: أمن قلة نحن يومئذ يا رسول الله؟ قال: أنتم يومئذ كثير ولكنكم غثاء كغثاء السيل، ولينزعن الله المهابة من صدور أعدائكم، وليقذفن في قلوبكم الوهن. قالوا: وما الوهن يا رسول الله؟ قال: حب الدنيا ومخافة الموت [1] ".

وعلى ضوء هذه السنة تتضح أمور كثيرة في التاريخ.

فتاريخ الجاهليات"العظمى!"يتضح كله على الفور.

(1) أخرجه أحمد وأبو داود.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت