فلما انحرفوا عن طريق الله، وأصبح الكتاب في أيديهم"تراثا"يدرسونه ولا ينفذون ما فيه، أصابهم ما أصابهم من الهوان والذل بدل الاستخلاف والتمكين، لأنهم غيروا ما بأنفسهم فغير الله لهم؛ ولا يعود لهم ما فقدوه إلا بتغيير ما بأنفسهم مرة أخرى، والعودة الصادقة إلى الله.
من سنن الله كذلك أنه ينصر الحق ويزهق الباطل، ولكن لا بد من وجود جنود يؤمنون بالحق وينصرونه فينصرهم الله. وليس الله سبحانه وتعالى عاجزا عن نصرة الحق بغير الأدوات البشرية، وهو الذي يقول للشيء كن فيكون، إنما هكذا اقتضت مشيئته وهكذا تجري سنته:
(إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ) [سورة محمد: 7] .
(ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَانتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِن لِّيَبْلُوَ بَعْضَكُم بِبَعْضٍ) [سورة محمد: 4] .
(هُوَ الَّذِيَ أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ) [سورة الأنفال: 62] .
ولا بد أن تكون قلوب أولئك الجنود مؤتلفة:
(هُوَ الَّذِيَ أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ، وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ) [سورة الأنفال: 62 - 63] .
ولا بد أن يكونوا صادقي التوكل على الله:
(يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) [سورة الأنفال: 64] .
وأن يكونوا قد نذروا أنفسهم لله:
(إِنَّ اللّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُم بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) [سورة التوبة: 111] .
وتلك كلها -وغيرها- من الأدوات التي يستلزمها انتصار الحق حسب سنة الله، فلا يأتي القوم خاوين منها ثم يقولون: انصرنا يا رب! لمجرد أنهم مؤمنون، أو لمجرد دعواهم بأنهم مؤمنون!
وإن يكن من سنة الله نصر الحق حين يستكمل أهل الحق أدوات النصر، فمن سنته كذلك تداول النصر والهزيمة لحكم شتى:
(وَتِلْكَ الأيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ) [سورة آل عمران: 140] .
ففي أحد هزم المؤمنين لمخالفتهم أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم انشغالا بالغنائم وخوفا عليهم، ويوم حنين هزم المؤمنون في أول المعركة لاعتدادهم بكثرتهم وركونهم إلى هذه الكثرة بدلا من التوكل الحق على الله. وفي كلتا الحالتين كانت الهزيمة درسا تربويا وعاه المؤمنون في أعماق مشاعرهم فلم يعودوا إلى مثله. وفي كل مرة تكون هناك أسباب ويكون لله في قدره حكمة، ولكن تبقى سنة التداول ماضية في الأرض إلى يوم القيامة، لأنها مشيئة ربانية يجري بها قدر الله في الأرض، أيا كانت الأسباب والملابسات.
تلك نماذج من السنن العامة التي تجري بها الأمور في الحياة البشرية، وإن كانت تخص المؤمنين بأحوال وتخص الكافرين بأحوال، ولكنا سبق أن أشرنا إلى وجود سنن خاصة، أي أنها تجري مع المؤمنين وحدهم ولا تجري مع الكفار، أو تجري مع الكفار وحدهم ولا تجري مع المؤمنين. ونلم هنا بأبرز نماذجها.
فالكفار يمكنون في الأرض رغم عصيانهم -بسنة من سنن الله- بل قد يزدادون تمكينا كلما زادوا كفرا، إلى أن يأتي أجلهم المقدر لهم في قدر الله فيدمر عليهم. أما المؤمنون فلا يمكن لهم إلا إذا استقاموا على الطريق: