وقد وعت أوروبا هذه القاعدة في أمور [1] ، فكان وعيها من نقط القوة التي تؤخر انهيار حضارتها، وأهملت القاعدة في أمور أخرى جوهرية [2] فكان إهمالها مما يؤدي حسب السنة إلى الانهيار الحتمي، وكلا الأمرين من سنن الله -بطء وقوع الانهيار وحتمية وقوعه في النهاية -وكلاهما يجري بقدر من الله، ولكن من خلال أعمال البشر.
ونسي المسلمون المعاصرون سنة الله في معظم أمور حياتهم، فحل بهم ما حل حسب السنن الربانية التي أهملوها .. وقد كان أعظم ما نسوه هو جريان قدر الله من خلال أعمال البشر، إن خيرا فخير، وإن شرا فشر، وأن سنة الله لا تحابي أحدا، ولا تستجيب لأهواء البشر، إنما تتمشى مع أعمالهم، وأن الذين يرثون الكتاب وراثة، ولا يترجمون ما فيه من التعاليم واقعا سلوكيا ثم يقولون: سيغفر لنا! لا يستجيب الله لهم، حتى يعودوا إلى العمل بما أمرهم الله في كتابه المنزل:
(فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتَابَ يَاخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الأدْنَى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا وَإِن يَاتِهِمْ عَرَضٌ مِّثْلُهُ يَاخُذُوهُ أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِم مِّيثَاقُ الْكِتَابِ أَن لاَّ يِقُولُوا عَلَى اللّهِ إِلاَّ الْحَقَّ وَدَرَسُوا مَا فِيهِ وَالدَّارُ الآخِرَةُ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ) [سورة الأعراف: 169] .
ومن بين تلك السنن سنة التغيير .. وهي كذلك تجري من خلال أعمال البشر:
(إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلاَ مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُم مِّن دُونِهِ مِن وَالٍ) [سورة الرعد: 11] .
(ذَلِكَ بِأَنَّ اللّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِّعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ وَأَنَّ اللّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) [سورة الأنفال: 53] .
فالأصل أن الله يضفي نعمه على خلقه:
(أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً) [سورة لقمان: 20] .
ثم إذا شكروا يزيدهم من فضله:
(وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ) [سورة إبراهيم: 7] .
ثم لا يغير ما بهم من نعمة إلا إذا غيروا ما بأنفسهم من شكر النعمة إلا جحودها:
(وَضَرَبَ اللّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُّطْمَئِنَّةً يَاتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِّن كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللّهِ فَأَذَاقَهَا اللّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ) [سورة النحل: 112] .
وقد من الله على الأمة الإسلامية بالاستخلاف والتمكين والتأمين تحقيقا لوعد الله:
(وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ) [سورة النور: 55] .
(1) في ضرورة إتقان العمل، وفي التزام القواعد الصحية، وفي ضرورة المحافظة على"المصالح العامة"وعلى حقوق الآخرين .. الخ.
(2) في عبادة الله والالتزام بشرعه والالتزام بأخلاقيات الدين.