الصفحة 39 من 110

أما الشق الآخر من الجاهلية المعاصرة فحسبه -من واقعه- التراجعات المستمرة التي قام بها من أجل ما ظهر في التطبيق الواقعي من مصادمة النظام للفطرة .. من إباحة التفاوت في أجور العمال- فضلا عن الفوارق القائمة بين الفرد العادي من الشعب وعضو الحزب الشيوعي -ومن إباحة ملكية قدر من الإنتاج الزراعي تشجيعا للإنتاج بعدما ثبت أن الملكية الجماعية قد أدت إلى نقص الإنتاج حتى أصبحت روسيا تشتري القمح من أمريكا! وحين يكون النظام مصادما للفطرة فهل تكون هناك الراحة والسعادة أم الضيق والعنت وهو بعض معنى"الضنك"الذي تشير إليه السنة الربانية؟ أما القهر السياسي فحدث عنه ولا حرج، وقد ذاق العالم الإسلامي عينة مخففة منه فيما يسمى"الاشتراكية"فعرف مقدار ما فيها من"الطمأنينة"الزائفة، وعرف معنى"الضنك"الحقيقي في ذلك النظام [1] .

أما حين يعيش المؤمنون في كنف الله، وفي ظل منهجه، ويطبقون شريعته، وينالون رعايته .. فحال أخرى عرفها المسلمون حين كانوا قائمين بالفعل بما أمرهم الله.

فهناك تتحقق هاتان الخصيصتان اللتان اختص الله بهما المؤمنين: البركة من عند الله، وطمأنينة القلوب.

وليس هنا أيضا مجال التفصيل ..

من السنن الربانية البارزة كذلك: جريان القدر الرباني من خلال أعمال البشر، إن خيرا فخير، وإن شرا فشر:

(ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ) [سورة الروم: 41] .

(وَإِذَا أَرَدْنَا أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا) [سورة الإسراء: 16] .

(وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ وَلَكِن كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُم بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ) [سورة الأعراف: 96] .

(وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُم مَّاء غَدَقًا) [سورة الجن: 16] .

وأهمية إبراز هذه السنة في القرآن الكريم -وفي التفسير الإسلامي للتاريخ- هي ضبط التصور بالنسبة لما يجري في حياة الناس في الأرض، فلا شيء يجري اعتباطا. ولا يوجد عمل من أعمال الإنسان لا تترتب عليه نتيجة، لا في الآخرة وحدها، وإنما في الحياة الدنيا كذلك. فإن كان هناك فارق بين حساب الله للبشر في الدنيا وحسابه لهم في الآخرة في نوع العقاب، وفي الإملاء لهم أحيانا في الحياة الدنيا، ولا إملاء في الآخرة، فلا خلاف في المعايير التي توزن بها الأعمال، ولا خلاف في مبدأ ترتيب النتائج على الأعمال، ولا خلاف في مبدأ مسؤولية كل إنسان عن عمله.

هناك مسؤولية فردية، يلتزم فيها كل فرد بأن يحسن عمله، ويتحمل فيها -وحده- نتيجة سوء عمله، وهناك مسؤولية جماعية يحمل كل فرد نصيبه منها، ويتحمل نتيجة عدم قيامه بواجبه فيها ولو لم يكن مسيئا بشخصه:

(وَاتَّقُوا فِتْنَةً لاَّ تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنكُمْ خَآصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ) [سورة الأنفال: 25] .

"مثل القائم في حدود الله والواقع فيها كمثل قوم استهموا في سفينة فصار بعضهم أعلاها وبعضهم أسفلها، فكان الذين في أسفلها إذا استقوا من الماء مروا على من فوقهم فقالوا لو أنا خرقنا في نصيبنا خرقا ولم نؤذ من فوقنا، فلو تركوهم وما أرادوا هلكوا جميعا، وإن أخذوا على أيديهم نجوا، ونجوا جميعا" [2]

(1) وفي الأخير انهار النظام كله كما هو معلوم.

(2) أخرجه البخاري.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت