أما التفسير الجدلي فهو يعطي صورة قاتمة عن التاريخ كله [1] بوصفه تاريخا"عبوديا"استعبد فيه المالكون غير المالكين وأذلوا إنسانيتهم، ولكن الماديين يرفضون رفضا مبدئيا أن توزن هذه القتامة بالمقاييس الدينية أو الأخلاقية! ولا يحبون أن يقال إنها ظالمة أو فاسدة لأنها مخالفة لأوامر الله ومنهجه! ذلك لأنهم -في تفسيرهم للتاريخ- يريدون أن يضعوا الدين كله في الفترة العبودية، بوصفه انعكاسا للأوضاع الاقتصادية القائمة في عهود العبودية الثلاثة: الرق، والإقطاع، والرأسمالية، وبوصفه هو ذاته أداة استغلالية يستغل المالكون بها غير المالكين ليخضعوهم لسيادتهم ويسخروهم لتحقيق مصالحهم! ومن هنا لا يحبون -بل لا يطيقون- أن يكشف أحد للناس أن التفسير الديني -ونحن نقصد الإسلامي بطبيعة الحال- يستنكر -من المنطلق الديني- كل ما حدث في عهود الرق والإقطاع والرأسمالية من مظالم بشعة، ويقرر أن سببها الرئيسي هو تشريع البشر لأنفسهم، وعدم التحاكم إلى شريعة الله.
ثم إن الماديين -كالليبراليين- يغفلون فترات الهداية من منطلقهم الخاص (بالإضافة إلى منطلقات الليبراليين) لأنها لا تخضع لتفسيراتهم، ولا يمكن أن تشملها مقرراتهم ومبادئهم. ونفي ما لا يمكن تفسيره في عرفهم جائز [2] .
ولكنهم يبرزون فترتين اثنتين في التاريخ، يضفون عليهما من الجمال والخير والملائكية كل ما في جعبتهم من أوصاف .. هما فترة الشيوعية البدائية، وفترة الشيوعية الثانية والأخيرة. وهما فترتان جاهليتان لا تزيدان عن ذلك في الميزان الإسلامي، لأنهما لا تحكمان بما أنزل الله، وينطبق عليهما -بصورة أو بأخرى- كل ما ينطبق على الجاهليات.
والتفسير الإسلامي للتاريخ ينبغي -كما قلنا- أن يبرز الواقع الذي تشير إليه السنن الربانية، والذي يقرر أن الذين كفروا يتمتعون المتاع الحيواني، لا المتاع الإنساني، وأن معيشتهم ضنك وإن وصلوا من الناحية المادية إلى درجة الترف والرفاهية.
والجاهلية المعاصرة بين أيدينا نستطيع رؤيتها عن قرب، إن تعذر علينا رؤية الصورة الحقيقية الكاملة للجاهليات القديمة.
وليس هنا مجال التفصيل في شأن هذه الجاهلية [3] . إنما نشير إشارات سريعة إلى بعض انحرافاتها. خذ مثلا الفوضى الجنسية المتفشية فيها: هل هذا متاع إنساني أم متاع حيواني؟! وخذ ما يسجلونه في إحصائياتهم من حالات القلق والجنون والانتحار والأمراض العصبية والنفسية وإدمان الخمر وإدمان المخدرات والجريمة ونسبة الطلاق المرتفعة ونسبة الهاربين والهاربات من بيوت الزوجية الذين تقوم مؤسسات خاصة بالبحث عنهم ومحاولة إرجاعهم إلى ذويهم!! هل يدل هذا كله على الراحة والسعادة والطمأنينة أم هي معيشة ضنك رغم كل الرخاء الاقتصادي والإنتاج المادي الوافر الفائض عن الحد؟!
(1) إلا فترة الشيوعية البدائية والشيوعية الثانية كما سيجيء.
(2) ناقشت طريقتهم في التدليل وإخفاء أو نفي ما لا يروق لهم من الوقائع في فصل"الشيوعية"من كتاب"مذاهب فكرية معاصرة"مناقشة مستفيضة، يرجع إليها من شاء.
(3) انظر إن شئت كتاب"رؤية إسلامية لواقع العالم المعاصر"لوصف الواقع العالمي المعاصر على ضوء السنن الربانية.