الصفحة 37 من 110

(وَإِذَا أَرَدْنَا أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا) [سورة الإسراء: 16] .

أو بسبب تسليط ظالم على ظالم فيديل دولته:

(قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَن يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِّن فَوْقِكُمْ أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُم بَاسَ بَعْضٍ) [سورة الأنعام: 65] .

أو نتيجة بروز قوة مهتدية يدفع الله بها الفساد:

(وَلَوْلاَ دَفْعُ اللّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الأَرْضُ وَلَكِنَّ اللّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ) [سورة البقرة: 251] .

أو بغير ذلك من الأسباب .. فهي كلها من الأسباب التي بينتها السنن الربانية، وجعلتها وسائل للدمار الأخير.

والتفسير الإسلامي للتاريخ ينبغي أن يركز على هذه النقطة من أجل تصحيح المعايير التي يقاس بها أمر الجاهليات.

من السنن التي يرد ذكرها كثيرا في القرآن والسنة، بيان حال المؤمنين وحال الكفار في الحياة الدنيا، وبيان مصيرهم في الآخرة:

فهؤلاء وهؤلاء يمكنون، ولكن يختلف نوع الحياة بين هؤلاء وهؤلاء اختلافا كبيرا، رغم اشتراكهما الظاهري في التمكين، لأن كلا منهما ممكن لأسباب مختلفة عن الآخر. المؤمنون ممكنون تمكين الرضا، والكافرون ممكنون تمكين الاستدراج.

ويختص المؤمنون -في تمكنهم- بصفتين لا تنالان الكفار أبدا: البركة والطمأنينة:

(وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ) [سورة الأعراف: 96] .

(الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللّهِ أَلاَ بِذِكْرِ اللّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ) [سورة الرعد: 28] .

بينما الكفار -رغم تمكنهم- محرومون من البركة والطمأنينة، يعيشون معيشة ضنكا ولو حصلوا على الرفاهية المادية، ويتمتعون -حين يتمتعون- متاع الأنعام.

(وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى) [سورة طه: 124] .

(وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَاكُلُونَ كَمَا تَاكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَّهُمْ) [سورة محمد: 12] .

وتلك أيضا من السنن التي ينبغي أن يبرزها التفسير الإسلامي للتاريخ، لذات السبب الذي ألمحنا إليه في الحديث عن السنة السابقة.

فالذين لا يؤمنون بالآخرة أصلا، والذين خف في حسهم ثقل اليوم الآخر حتى إن كانوا يؤمنون به بصورة من الصور، ينظرون إلى الحياة الدنيا وحدها، أو يوجهون اهتمامهم الرئيسي إليها، فينظرون إلى الجاهليات -وخاصة الجاهلية المعاصرة- فيجدون نجاحا وتمكنا، وقوة ذات دوي في الأسماع، فيتوهمون أن كل ما فيها جميل، وأن حياة الناس فيها هي النموذج الذي يهفو الإنسان إلى الحياة في مثله، ولا ترى أعينهم ما فيها من عوج، وما في حياة الناس فيها من شقاء، فيحسبون أن ما يقوله"الدين"عن حال الكفار في الدنيا إن هو إلا"مواعظ"يقصد بها فقط عدم افتتان الناس بالدنيا، ولكنه ليس حقا في ذاته. فهو من باب"الدعاية"الموجهة، التي يجب أن تقابل بما تستحقه من عدم الاهتمام!!

ثم يجيء التفسير الليبرالي فيؤكد هذه المعاني تأكيدا في نفوس الناس، باحتفاله الشديد بالجاهليات، وإغفاله المتعمد لفترات الهدى في حياة البشرية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت