الصفحة 46 من 110

وفي التفسير الإسلامي يتبدى الفارق واضحا بين سنن الله في الكون المادي وسننه في الحياة البشرية، ذلك الفارق الناشئ من خلق الله للإنسان على نحو مختلف عن خلقه للمادة، وإعطائه من لدن خالقه فاعلية وإيجابية، وعدم قهر السنن الربانية له على سلوك معين، بل يختار ما يختار لنفسه ثم يتحمل في كل مرة نتيجة اختياره، وفي ذلك تكريم للإنسان يأباه عليه التفسير المادي، حين يصر على رده إلى المادة، ونفي النفخة العلوية عنه، وإجراء قوانين المادة عليه بكل جبريتها وقهرها!

من الدروس المهمة كذلك إبراز جدية الحياة البشرية وخلوها من العبث ..

إن رؤية الحياة البشرية بغير السنن الربانية التي تحكمها -وهو ديدن الجاهلية [1] - يؤدي إلى العبثية التي انتهى إليها فكر"سارتر"في الجاهلية المعاصرة؛ وهي ذاتها التي انتهى إليها فكر الجاهلية العربية من بل كما ورد ذكرها في القرآن الكريم:

(نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ وَمَا لَهُم بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ) [سورة الجاثية: 24] .

وحين تتضح للإنسان -من خلال رؤيته للسنن الربانية- جدية الحياة البشرية، وانتظام جريان السنن فيها، فلا بد له -إذا استقام تفكيره- أن ينتهى إلى حقيقتين رئيسيتين: حقيقة الألوهية، وحقيقة اليوم الآخر.

فهذه السنن المنتظمة تنفي -بذاتها- أن تحدث الأمور صدفة، أو اعتباطا، أو بغير موجد، وتشهد -كما تشهد السنن الكونية من جانبها- بوجود خالق مدبر حكيم، ذي قدرة وقصد، فعال لما يريد.

فأما الطبيعة -إله دارون- التي قال عنها إنها تخلق كل شيء ولا حد لقدرتها على الخلق، فقد عاد فقال إنها تخبط خبط عشواء، وإنه لا قصد لها من الخلق ولا غاية، فجردها من العلم والحكمة والتدبير والرعاية، ذلك وهو يتكلم عن اطراد السنة التي زعم أن الخلق جرى بمقتضاها وهي سنة التطور!

أما التفسير الإسلامي فهو يبرز -من خلال رؤيته للسنن التي تحكم الحياة البشرية، والسنن التي تحكم الكون المادي كذلك- وجود الخالق، وهيمنته، واتصافه -سبحانه- بالقصد والإرادة، والعلم والحكمة، والقدرة التي لا يعجزها شيء.

كذلك فإن الإيمان بجدية الحياة البشرية وانتظام السنن فيها لا بد أن يؤدى إلى الإيمان باليوم الآخر .. فبدون اليوم الآخر، وما يشتمل عليه من بعث ونشور، وحساب وجزاء، لا تتحقق للحياة البشرية الجدية التي تؤكدها السنن.

فلو كانت حياة المحسن تنتهي كما تنتهي حياة المسيء، كلاهما تنتهي حياته بانتهاء عمره المحدود في الحياة الدنيا ثم ينتهي كل شيئ .. فما أشد عبثية هذه الحياة وما أظلمها .. وما أبعدها عن الجدية من بدئها إلى منتهاها! فكم من محسن يعيش حياته كلها مبتلى واقعا تحت حكم الطاغوت، وكم من مسيء يظل في طغيانه حتى لحظة الموت .. فأين العدل إذن، وأين الجدية، وأين الغاية والقصد؟

إنما يتحقق العدل والجدية، ويتحقق القصد والغاية، حين يكون هناك بعث ونشور، وحساب وجزاء. وهذا الذي يجعل أولي الألباب الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم ويتفكرون في خلق السموات والأرض، يفيئون من تفكيرهم إلى الإيمان باليوم الآخر وما فيه من حساب وجزاء، وجنة ونار، فيسارعون إلى الضراعة إلى ربهم أن يجنبهم النار ويدخلهم الجنة:

(1) ربما كانت الجاهلية الوحيدة التي أبرزت"مضمونا"للتاريخ هي المادية الجدلية، ولكنها -كما رأينا- أخرجت الإنسان من أخص خصائصه وهي"إنسانيته"! وجعلته مادة!

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت