الصفحة 25 من 47

من الماء إذ جاء الأنصاري فنظر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وصاحبيه ثم قال: الحمد لله ما أحد اليوم أكرم أضيافا مني قال: فانطلق فجاءهم بعذق فيه بسر وتمر ورطب فقال: كلوا من هذه وأخذ المدية فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إياك والحلوب) فذبح لهم فأكلوا من الشاة ومن ذلك العذق وشربوا فلما أن شبعوا ورووا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي بكر وعمر: (والذي نفسي بيده لتسألن عن هذا النعيم يوم القيامة أخرجكم من بيوتكم الجوع ثم لم ترجعوا حتى أصابكم هذا النعيم) .

أن المانع لكثير من حملة العلم عن بيان الحق والصدع به والجهاد في سبيل الله تعالى هو حرصهم على الدنيا وملذاتها وحرصهم على طيّب الطعام والشراب والراحة والأنس بالزوجة والأولاد والتمتع بجمع المال وإنفاقه والشيطان يخوفهم من فقد هذه المُتع ويمنيهم بالراحة والوجاهة والسيادة وما يعدهم الشيطان إلا غرورا.

رحم الله الفضيل ابن عياض كان يقول: إنما هما عالمان، عالم دنيا، وعالم آخرة، فعالم الدنيا علمه منشور، وعالم الآخرة علمه مستور، فاتبعوا عالم الآخرة، واحذروا عالم الدنيا، لا يصدنكم بشره، ثم تلا هذه الآية: (إن كثيرا من الأحبار والرهبان ليأكلون أموال الناس بالباطل ويصدون عن سبيل الله) الأحبار: العلماء، والرهبان: العباد.

ثم قال: لكثير من علمائكم زيه أشبه بزي كسرى وقيصر منه بمحمد صلى الله عليه وسلم.

إن النبي صلى الله عليه وسلم لم يضع لبنة على لبنة، ولا قصبة على قصبة، ولكن رفع له علم فشمر إليه.

وقال أيضًا رحمه الله تعالى: العلماء كثير، والحكماء قليل، وإنما يراد من العلم الحكمة، فمن أوتي الحكمة فقد أوتي خيرًا كثيرًا.

وقال محمد بن الحسين: قول الفضيل: - والله أعلم - الفقهاء كثير، والحكماء قليل يعني: قليل من العلماء من صان علمه عن الدنيا، وطلب به الآخرة، والكثير من العلماء قد افتتن بعلمه، والحكماء قليل، كأنه يقول: ما أعز من طلب بعلمه الآخرة. [1]

(1) أخلاق العلماء للآجري صـ 79.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت