فيجب النفير إذا استنفرت الأمة، وفي حالة هجوم الكفار فالأمة مستنفرة لحماية دينها، ومدار الواجب على حاجة المسلمين أو استنفار الإمام كما قال ابن حجر في شرح هذا الحديث، قال القرطبي: (كل من علم بضعف المسلمين عن عدوهم وعلم أنه يدركهم ويمكنه غياثهم لزمه أيضا الخروج إليهم(1) [ (تفسير القرطبي 8/ 051) ] .
الصلح مع اليهود
أو شروط عقد معاهدة مع الكفار
اختلف الفقهاء في جواز الصلح مع الكفار، فمنهم من أجازه قياسا على صلح الحديبية، ومنهم من أجازه إذا كان المسلمون في ضعف شديد، ومنهم من لم يجز الصلح أبدا، وقالوا نسخت آية السيف كل معاهدة مع الكفار، ولكننا نقول: يجوز للمسلمين عقد معاهدة مع الكفار إذا كان ذلك مصلحة للمسلمين، ولكن بشرط أن لا تتضمن المعاهدة شرطا يبطل المعاهدة أو يفسدها ومنها:
1 -لا يجوز أن تتضمن المعاهدة شرطا فيه اعتراف أو إقرار الكفار على شبر من أراضي المسلمين (نهاية المحتاج(8/ 85 ) ) ، لأن أرض الإسلام ليست لأحد فلا يحق لأحد أن يفاوض عليها، وهذا شرط يبطل العقد لأن الأرض لله ثم للإسلام، فلا يجوز لأحد أن يتصرف في ملك غيره، ولا بيع لابن آدم فيما لا يملك، ولذا فلا يجوز الصلح مع اليهود أبدا في فلسطين.
2 -إذا تعين الجهاد بطل الصلح، كما إذا دخل العدو أرض المسلمين أو كان طالبا لهم، جاء في فتح العلي لمالك (1/ 982) في الصلح والمعاهدة في المعيار -في باب الجهاد- ما نصه: (أوقع الخليفة الصلح مع النصارى والمسلمون لا يرون إلا الجهاد فمهادنته منقوضة وفعله مردود) .
(وحيثما تعين الجهاد في موضع لم يجز فيه الصلح، كما لو كان العدو غالبا على المسلمين، وكل متنقل في تعيين فرض الجهاد مانع من الصلح، لاستلزامه إبطال فرض العين الذي هو الجهاد المطلوب فيه الإستنقاذ) .
نقل القاضي ابن رشد الإتفاق على أن الجهاد إذا تعين أقوى من الذهاب إلى حجة الفريضة، لأن الجهاد إن تعين كان على الفور والحج قد قيل فيه أنه على التراخي، فالصلح المذكور يجب نقضه لأنه بمقتضى الشرع غير منبرم فحكمه غير لازم عند كل من حقق أصول الشريعة، والصلح المذكور فيه ترك الجهاد المتعين وترك الجهاد المتعين وكل ممتنع غير لازم.
3 -كل شرط تضمن تعطيل شريعة الله أو إهمال شعائره فهو باطل.
4 -لا يجوز أن يتضمن العقد شرطا فيه إذلال للمسلمين أو يشعر بهذا، كما جاء في الحديث عن الزهري (إعلاء السنن(21/ 8 ) ) قال: لما اشتد على الناس البلاء بعث رسول الله ص إلى عيينة بن حصن بن حنيفة بن بدر والى الحارث بن أبي عوف المزني -وهما قائدا غطفان-، فأعطاهما ثلث ثمار المدينة على أن يرجعا بمن معهما عنه وعن أصحابه فجرى بينه وبينهما صلح ولم تقع الشهادة، فلما أراد ذلك بعث إلى سعد بن معاذ وسعد بن عبادة فاستشارهما فيه فذكر الحديث مفصلا وفيه: قد علمنا أن العرب قد رمتكم عن قوس واحدة،