والحق أن السرية الأولى التي تقدمت وكنت منها كانت نماذج رفيعة وكان من بيننا مجموعة من الإخوة السودانيين على رأسهم الوزير السوداني (محمد صالح عمر) الذي استشهد فيما بعد في جزيرة (أبا) بقذائف الطيران المصري.
وكانت على خلق عال، وأدب إسلامي جم، وقد كتبت بعض ذكرياتها في رسائل من القلب إلى القلب في مجلة الجهاد -رسالة الإخلاص والزهد والإخوة والمحبة- كانوا يرفضون أن يحدثوا عن معاركهم خوفا من الرياء ولئلا ينقص ثوابهم، كان القائد الشهيد صلاح حسن يربينا بعمله دون قوله، وكان أخوه -أبو خليل- يعتبرنا أخوة له ولسنا تلاميذ، وكان قائدنا العام عبد العزيز علي له في قلوبنا هيبة وأيما هيبة، وحبا ومودة لا نظير لها.
وبقيت مجموعات الشيوخ تشق طريقها بين الأعاصير الهوجاء التي تريد أن تقتلعها من جذورها، ونحن نقيم علائق طيبة مع الجيش الأردني الذي كان يحترمنا أيما احترام، حتى كان خلف رافع -قائد اللواء- المسؤول عن حراسة الحدود -الغور- يوقف سيارته إذا رأى شابا من شبابنا.
ذكريات الرفيد وحرثا:
وكان بيننا وبين الأهالي صلة وثيقة ومحبة عميقة، خاصة الذين كانت قواعدنا في أكنافهم، وأخص بالذكر آل عبيدات -في الرفيد وحرثا- ولقد احتضنونا كأننا أبناؤهم ويودون لو يضعونا في أجفانهم وقلوبهم، ولقد وقفوا وقفة طيبة عندما دخل الجيش الأردني لضرب قواعدنا فقالوا: نحورنا دون المس بهم وصدورنا دون إيذائهم، قالوا: عرفناهم لأبنائنا معلمين ولمساجدنا أئمة وخطباء، ولقرانا ولمزارعنا حراسا أمناء، والحق أن ذكر الرفيد لا يمكن أن يأتي النسيان عليه -والله أعلم- ما دام لنا عين تطرف أو قلب ينبض، ولقد كان أحد أبنائهم أحمد قد عرفنا من خلال حديث أهله وقريته وعشيرته عنا فأحبنا عن بعد، ثم ارتقى مناصب عليا في الدولة حتى تسلم رئاسة الوزراء، فكان خير مدافع عنا إذا كثرت الأقاويل أو اشتدت علينا الحملات.
ولقد خاض الإخوة معارك كثيرة، وكان الجيش الأردني خير متعاون معنا، إذ أننا صدقناه فصدقنا وعاملناه بالرجولة الإسلامية فعاملنا بالمروءة والنخوة البدوية.
معركة المشروع:
وإن كنت أنسى فلا أنسى معركة المشروع (روتنبرغ) التي دخلناها، وكنت فيها وكان معنا أبو مصعب السوري الذي تحامل على جراحه البالغة التي أصابته في المعركة بجانبي، فجاء قائد الكتيبة الأردني واقتحم النيران الملتهبة من جراء القذائف المتصببة وأصابته شظية وجرح القائد ولكنه أنقذ أخانا وأوصله إلى المستشفى حيث أشرف على الموت وهيموجلوبين الدم.
معركة (5) حزيران سنة (0791م) :
ستة من إخواننا، منهم أبو إسماعيل مهدي الإدلبي الحموي وإبراهيم (بن بله) وبلال الفلسطيني، وفي أرض مكشوفة تصدوا لدبابتين وكاسحة ألغام، وكان دايان أرسل مراسلا كنديا وأمريكيا ليطوف بهم على الحدود ويريهم أن العمل الفدائي قد انتهى، وإذا بجند الله يخرجون لهم كالجن المؤمن من باطن الأرض، وانهالت القذائف وجرح الصحفيان واعترف اليهود باثني عشر قتيلا ولكن قتلى الأعداء أكثر من هذا بكثير.
وقد ضج الإعلام العربي وخاصة -فتح- بهذه العملية الرائعة في رابعة النهار ضحى يوم (5) حزيران واستشهد ثلاثة من إخواننا منهم الحبيب المهدي الإدلبي أحد أبناء قاعدتي، وبلال المقدسي من قاعدة غزه.