الصفحة 52 من 59

لكن حد الإكراه يتفاوت عند الناس، وكلٌّ أعرف بحاله، كما أن للتكفير شروط يجب مراعاتها، مع التنبيه أيضًا إلى وجوب التفريق بين ما كان من جنس التحاكم إلى الشرائع الوضعية المضادة لشرع الله، وما ليس هو كذلك من الاستنصار على كفار آخرين، أو غير ذلك مما هو ليس من جنس التحاكم الطاغوتي المكفّر [4] .

لكن الغريب في كلام المصنف تعليله الأحكام هنا بالرضا حيث قال: (لأن عدوله هذا علامة على رضاه بالتحاكم إلى قوانين الكفر) أهـ.

فتأمل كيف ردّ المصنف الحكم الشرعي وعلّله في كلامه هذا وغيره في المنقول عنه أعلاه، إلى الرضا، الذي لا خلاف فيه، إذ من رضي بأحكام الكفر رضًا قلبيًا، فقد كفر، سواء تحاكم أم لم يتحاكم.

إلا أن يريد بالرضا هنا الطواعية والاختيار الذي هو ضد الإكراه والإلجاء، فلا حرج في اشتراطه، إذ الإكراه الشرعي من موانع التكفير بالإتفاق، وإلا فقد أنكر المصنف من قبل على الطبري رحمه الله قوله في تفسير قوله تعالى: {ومن يتولهم منكم فإنه منهم} [المائدة 51] (أنه لا يتولاهم إلا وهو راض بدينهم) ، فقال (ص629) : (وهذا التعليل قاله من عند نفسه، وهو مصادم للنص الذي أثبت أن من نزلت فيهم الآيات كان باعثهم على موالاة الكفار، الخوف من دائرة الدهر والرضا بما عليه الكفار، وقول الطبري هنا يشبه قول مرجئة الفقهاء والمتكلمين، إن من أتى عملًا من أعمال الكفر فهو علامة على أنه مكذب بقلبه فقال الطبري، من تولَّى الكفار فلا بد أن يكون راضيًا بدينهم وكلا القولين فاسد ترده النصوص) فتأمل إنكاره هذا، مع قوله الأول.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت