الصفحة 51 من 59

قال المصنف: (فهؤلاء الذين نفى الله عنهم الإيمان، عدلوا عمدًا عن التحاكم للشريعة، إلى التحاكم للطاغوت ومن هنا قلت في(الحال الأول) أن من تحاكم إلى هذه القوانين راضيًا كفر، أما من اضطر إلى ذلك وليس بوسعه التحاكم إلى الشرع، فلا تنطبق عليه صورة سبب نزول الآيات، ولهذا لا أستطيع الجزم بدخوله في عموم حكمها).

(أما من كان بوسعه التحاكم إلى الشرع على الصفة التي سأذكرها - يقصد التحكيم - وعدل عن ذلك إلى التحاكم، فهو على خطر لأن عدوله هذا علامة على رضاه بالتحاكم إلى قوانين الكفر، هذا والله تعالى أعلم) أهـ.

أقول: إذا كان التحكيم يتم وفق الشرع وفيه قدرة على رد الحقوق وإنصاف المظلوم، وأعرض عنه مختارًا التحاكم إلى حكم الطاغوت، فهذا نظير صورة سبب النزول، والنظير له حكم نظيره إن لم يكن بينهما فرق مؤثّر.

أما إذا لم يكن للحاكم بالشرع سلطان يرد به الحقوق وينصف به المظلوم، أو كان الخصم لا يرضى بحكم الشرع، ولا ينزل عليه، فليس هذا من صورة سبب النزول، إذ أنّ صورة سبب النزول، كان لحكم الله فيها سلطان، وأعرض عنه من نزلت فيه الآيات مختارًا حكم الطاغوت، لكن المسلمين قد أمروا بالكفر بالطاغوت واجتنابه منذ أول الإسلام، وقبل نزول هذه الآيات، ومرادنا أن الأمر ليس محصورًا في صورة سبب النزول، إذ أن الكفر بالطاغوت ركن التوحيد، وقد قال تعالى منكرًا على من أراد التحاكم إلى الطاغوت: {يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به} [النساء: 60] ، فالتحاكم إلى الطاغوت إيمان به يناقض ما افترضه الله على المسلمين من الكفر به.

فالواجب على كل مسلم في كل زمان ومكان وعلى كل حال أن يجتنب عبادة الطواغيت، ونصرتها، والتحاكم إليها، ولو ذهبت دنياه كلها، إذ لا يعذر في التحاكم إلى شرائع الطاغوت المضاد لشريعة الله إلاّ المكره.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت