الصفحة 48 من 59

فمن كان يعرف ذلك فهو كافر كما قال المصنّف (ص780) : (لأن انتخابهم هذا هو حقيقةً اتخاذ أرباب من دون الله، كما أنه في مضمونه إقرار بوظيفة البرلمانات التشريعية المطلقة، وهذا كله من الكفر الصراح) أهـ من الجامع.

فمن اختار وانتخب وأناب عن نفسه نائبًا وهو يعرف أن هذه هي حقيقة وظيفته فهو كافر وإن كان يجهل أن التشريع والطاعة فيه كفر وشرك، ما دام قد قصد العمل المكفّر نفسه، فإن الذين أطاعوا الأحبار والرهبان وتابعوهم على التشريع، لم يكونوا يعرفون أن هذه الطاعة والمتابعة عبادة، كما في حديث عدي بن حاتم الطائي ولم يكن ذلك مانعًا من كونهم قد أشركوا مع الله أربابًا.

أما ما عذرنا به العوام هنا، فهو عدم قصدهم واختيارهم للعمل المكفّر، بل كثير منهم كما هو معروف عند من خالط العوام والعجائز وخَبِرَهُمْ، لا يعرفون ماهية هذه المجالس ولا حقيقتها ولا يختارون من يختارونهم على أنهم مشرعون، ولا يعرفون حقيقة عملهم، بل يختارونهم للخدمات أو لتحكيم الشرع دون أن يعرفوا الكيفية، فهم هنا لم يقصدوا العمل المكفر بل قصدوا غيره.

وهذا هو الخطأ (انتفاء القصد) الذي ذكره الله تعالى في قوله: {وليس عليكم جناح فيما أخطأتم به ولكن ما تعمدت قلوبكم وكان الله غفورًا رحيمًا} [الأحزاب: 5] فظاهر هؤلاء أنهم ارتكبوا عملًا مكفّرًا، ولكنهم لا يكفّرون إلا بعد إقامة الحجة بتعريفهم بحقيقة هذه البرلمانات وحقيقة نوابها.

والخلاصة:

أنا لم نعذر هؤلاء في جهلهم أن اختيار المشرعين وطاعتهم في التشريع كفر، ولا بما يُشقْشِقُ به البعض من أنه لا يكفر إلا من قصد الكفر والخروج من الملّة، بل لأنهم ما قصدوا العمل المكفّر نفسه، بل قصدوا شيئًا آخر، وذلك بسبب جهلهم بحقيقة هذه البرلمانات وواقعها، فكان حالهم كحال الأعجمي الذي ينطق بكلمة الكفر وهو لا يعرف مدلولها [3] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت