وما ذكره بعد ذلك، من أن فيروز ومن معه احتالوا على الأسود، وأظهروا متابعة، لم يذكره مسندًا، ولا حقّق أو بيّن صحته، مع أنه هو الدليل الذي يتكىء عليه في هذا الموضوع الذي هو مزلّة عظيمة، بل ذكره حكاية بالمعنى عن الطبري فقال: (وقد ذكر الطبري رحمه الله في نفس الموضع السابق أن فيروز ومن معه احتالوا على الأسود وأظهروا متابعته، حتى تمكنوا من قتله غيلة، وقد أثنى النبي صلى الله عليه وسلم على فيروز .. ) أهـ.
فيقال له: هلاّ أثبتَّ العرش أولًا ... ثم نقشت.
فإن النقش قبل تثبيت العرش مزلّة، قلّما يخرج معها النقش سديدًا، وتزداد المزلّة خطورة، إذا كان النقش في أبواب الكفر والإيمان.
ولو أن كلام الشيخ واستدلاله كان على من هداه الله إلى التوحيد وهو في جيش الطاغوت أصلًا، فرام استغلال وجوده في نصرة دين الله والنكاية في أعدائه، فأرْجأَ إظهار دينه وتوحيده وبراءته من الشرك وأهله، دون أن يرتكب كفرًا، ليُظهرَ دينه وبراءته من الطاغوت بأشرقِ صورة؛ وذلك بجهاد أعداء الدين وجِلادهم في فرصة أو ظرف يتحينه، كما فعل نعيم بن مسعود رضي الله عنه حين كتم إسلامه في غزوة الأحزاب وكان نديمًا لبني قريظة، وفي قصته أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: (خَذِّل عنّا"ففعل، وكان ذلك سببًا في رحيل الأحزاب كما ذكر أهل السير والمغازي، وكذلك ما فعله محمد بن مسلمة في قتله لكعب بن الأشرف، ونحوه، مما هو معلوم وثابت ويدل على جواز كتمان الدين أو التخفي ومخادعة الكفار بعدم إظهار عداوتهم لأجل قتل رؤوسهم أو النكاية فيهم."