هذا بعد أن حشد الأدلة على كفر من أظهر النصرة والموالاة للكفار والمرتدين وقد قرّر (ص634) أن (الكفر لا يجوز إظهاره إلا مع الإكراه المعتبر، لا لمجرد الخوف أو المصلحة) أهـ.
وهذا حقٌّ، وهو مناقض لاعتباره هنا إظهار نصرة المرتدين والالتحاق بجيوشهم لأجل النكاية فيهم جائزًا شرعًا لأجل هذه المصلحة، التي اعتبرها من موانع التكفير، ولم يذكر لذلك دليلًا صريحًا مسندًا يخرجه من العموم الذي قرره (ص634) .
اللهم إلا ما ذكره من قصة فيروز الديلمي غير مسند ولا صريح الدلالة على ما ذهب إليه،
حيث قال (ص618) : (الكفر بسبب نصرة المرتدين في الظاهر لا يرخص فيه بمجرد النية الحسنة، كنية دعوتهم للإسلام وغيرها من أعمال البر، وإنما يرخص في ذلك بنيّة خاصة وهي قصد النكاية فيهم فهذا هو الذي ثبت جوازه بالأدلة .. ) أهـ.
كذا قال، فما هي هذه الأدلة؟
قال: (وعليه فالدليل على أن هذا القصد مانع من التكفير هنا، حادثة فيروز الديلمي رضي الله عنه، لمّا ادّعى الأسود العنسي النبوة وارتدّ قوم من أهل اليمن واتبعوه حتى غلب على صنعاء، تظاهر فيروز الديلمي بأنه من أنصاره واحتال حتى قتله) أهـ.
هذا كلامه، ولم يذكر على احتيال فيروز وتظاهره أنه من خاصته وأنصاره لأجل قتله، نصًا صريحًا مسندًا، مع أنّ هذا هو وجه الدلالة الذي استدل به على جواز هذا العمل الخطير، الذي كفّر فاعله ومظهره من قبل.
وما ذكره عن الطبري بإسناده عن الضحاك بن فيروز قال: (قدم علينا وبْر ابن يحنس بكتاب النبي صلى الله عليه وسلم يأمرنا فيه بالقيام على ديننا والنهوض في الحرب والعمل في الأسود، إمّا غيلة وإما مصادمة ... إلخ) .
ليس بصريح الدلالة كما ترى، بل قوله: (يأمرنا فيه بالقيام على ديننا والنهوض في الحرب .. ) يدل على خلاف مراده واستدلاله.