والمصنف نفسه قد ذكر (ص879) قصة القاضي الظالم، بلال بن أبي بردة وأنه أول قاض جار في القضاء وقصته نقلها من كتاب"الأوائل"لأبي بكر بن أبي شيبة (ت235هـ) حيث قال: (وأول قاض جار في القضاء بلال بن أبي بردة، أخبرنا أبو أحمد بإسناده أن رجلًا قدَّم إلى بلال رجلًا في دَينٍ له عليه، فأقر الرجل به، وكان بلال يُعنى بالرجل، فقال المدعي: يعطيني حقي أو تحبسه بإقراره، قال القاضي إنه مفلس قال: لم يذكر إفلاسه، قال: ما حاجته إلى ذكره وأنا عارف به؟ فإن شئت أحبسه، فالتزم نفقة عياله، فانصرف الرجل وترك خصمه وكان بلال معروفًا بالجَور) أهـ.
قال: وبمثل هذا الجور يكفّر الخوارج، إلى أن قال: (هذا ما كان يقع في زمانهم، أما أن يتولّى رئيس دولة أو ملك أو قاضي ولايته على الحكم بالدستور والقانون الوضعيّين ملتزمًا بذلك لا يحيد عنه فهذا لم يقع من قبل قط إلا في طائفة التتار أواخر القرن السابع الهجري) أهـ.
فتأمل كيف صار المصنف هنا إلى التفريق بين ما أنكره مرارًا في إطلاقاته المتقدمة مما يمثل به المتقدمون والمتأخرون، في صورة مَنْ ترك حكم الله في الواقعة دون أن يلتزم بشرع آخر، وبين الحكم بغير ما أنزل الله بصورته الكفرية الطاغوتية.
فهذا الذي ذكره هنا، ألا يصدق عليه كثير من إطلاقاته المتقدمة من قبل؟
فهو قد ترك حكم الله.
ويجوز أن يقال فيه أيضًا كما يفعل كثير من المتقدمين والمتأخرين: (حَكَمَ بغير ما أنزل الله) ، فيُشْكِل ذلك على بعض الناس.
مع أن المراد أنه حكّم هواه أو شهوته، وهنا أذكّرك بكلام المصنف المتقدم في إنكاره على من فرّق بين الحاكم بغير ما أنزل الله إذا اتبع شرعًا آخر، وبين من ترك حكم الله في الواقعة عصيانًا واتباعًا للهوى، فجعل هذا النوع الأخير نوعًا مكفرًا مثل الأول، وسرد الأدلة على أن كل من حكم بغير ما أنزل الله فقد اتبع هواه.