الصفحة 31 من 59

والصواب كما عرّفناك: أنهم تركوا جنس حكم الله في زنا المحصن (الرجم) واجتمعوا في ذلك على تشريع آخر حكموا به بدلًا من حكم الله.

وهذا يختلف كل الإختلاف عمّا يمثّل به كثير من المتقدمين والمتأخرين في الحاكم بشرع الله إذا عصى وترك حكم الله في الواقعة، دون أن يتبع شرعًا آخر، وهي الصورة التي يصرّ المصنف على إدراجها تحت النوع الكفري، بل ويجعلها صورة سبب النزول.

بل يصف (ص878) جميع من فرّقوا بين الصورتين، واشترطوا الجحد للتكفير في الصورة غير المكفّرة، بأنهم قالوا بمقالة غلاة المرجئة الذين يشترطون الجحد للتكفير بالذنوب المكفّرة.

ولا شك أن هذه مجازفة قد يدخل فيها من اشترط مثل ذلك من السلف، وهذه الصورة من الحكم التي يصفها العلماء بأنها معصية لا يكفر فاعلها إلا بالجحود أو الإستحلال، يرتكبها فاعلها في الواقعة، كمعصية يتأثّم في فعلها ويعلم أنه مخطىء، وهو في الأصل محكّم لشرع الله، وهو منهجه ودينه الذي يدين به.

وهذه لا تشبه بحال صورة من نبذ شرع الله ولو في حكم واحدٍ من أحكامه سبحانه، وتولّى عنه واتبع شرع الطاغوت، فهذه صورة من صور التولّي والإعراض والامتناع عن حكم الله والتحاكم إلى الطاغوت.

ولذلك كان كلام المصنف أسدّ حين جعل (ص870) مناط التكفير هو الامتناع عن الحكم فقال: (والامتناع هو سبب كفر مانعي الزكاة) . أهـ.

وذكر امتناع إبليس من السجود وهو كفر الإباء {إلا إبليس أبى واستكبر وكان من الكافرين} [البقرة: 34] وقال: (والإمتناع هو سبب كفر مانعي الزكاة"، وذكر قول أبي بكر الصديق رضي الله عنه:(والله لو منعوني عقالًا) . وقول ابن تيمية أن الكفر"يكون مخالفة ومعاداة وامتناعًا بدون تكذيب) أهـ.

فهذا أسدّ وأدقّ من دندنته حول مطلق الترك لحكم الله الذي تقدم مرارًا، فإن لفظة الترك تشترك فيها المعصية والتولي الكفري، ولا بدّ من التفريق، ثم نحن لسنا مضطرين إلى الخوض في صورة الترك كمعصية ..

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت