والصواب أنه لم يتناقض، بل كلامه الأخير في الحكم بغير ما أنزل الله: (التحاكم إلى القوانين) .
والأول في ترك حكم الله في الواقعة كمعصية، لمن كان ملتزمًا بحكم الله في الأصل ولم يتحاكم إلى شرع سواه، وهو الذي يشترط فيه الأكثرون الجحد للتكفير، واشترطه ابن إبراهيم، بينما بيّن أنه لا أثر لدعوى صحة الاعتقاد في التكفير، في النوع الآخر الطاغوتي.
وكذلك اعترض (ص875) 876) على تفصيل الدكتور عمر عبد الرحمن في كتابه"أصناف الحكام وأحكامهم"وبالتحديد على النوع الأول الذي ذكره الدكتور ولم يكفّره، لأنه ملتزم بشرع الله، وترك حكم الله في الواقعة عصيانًا لا اتباعًا لشرع آخر، فاستدل المصنف بآية الأنعام: {وإن أطعتموهم إنكم لمشركون} [الأنعام: 121] . وذكر أن الكفر فيها وفي آية المائدة: {ومن لم يحكم بما أنزل الله} (ترتب على الحكم بغير ما أنزل الله في قضية واحدة، فدخول هذه الصورة في حكم النص، قطعي) أهـ.
ومعلوم في سبب نزول آية الأنعام أنها تتكلم فيمن اتبع تشريعًا غير تشريع الله، فلا خلاف في أن مثل هذا يكفر دون اشتراط الجحد.
أما الصورة التي ذكرها الدكتور عمر عبد الرحمن، فهي صورة القاضي الملتزم بشرع الله الذي يدين به ولا يتبع شرعًا سواه، وإذا ترك حكم الله في الواقعة تركه عصيانًا، وهي الصورة التي يمثل بها أكثر من يشترطون الجحد من العلماء المحققين.
أما صورة الحكم الطاغوتي التشريعي، فهذه هي الصورة التي لا يشترط الجحد فيها لأجل التكفير، إلا المرجئة، ومنه يتضح تسرّع المصنف بقوله (ص655) عن الدكتور عمر عبد الرحمن في هذا الموضوع على وجه الخصوص: (والشيخ الذي ذكرته له كتاب بعنوان"أصناف الحكام وأحكامهم"يأتي نقده في المبحث الثامن في موضوع الحكم بغير ما أنزل الله إن شاء الله وهو على نفس القول الأول في الإرجاء) أهـ.