وكل من النوعين كفر مخرج عن الملة، وقد يجتمعان فيصيران كفرًا فوق كفر، وقد قال شيخ الإسلام: (التولي ليس هو التكذيب بل هو التولي عن الطاعة، فإن الناس عليهم أن يصدقوا الرسول فيما أخبر ويطيعوه فيما أمر، وضد التصديق التكذيب، وضد الطاعة التولي) مجموع الفتاوي (7/ 142) .
فالتولي المذكور في قوله تعالى: {وكيف يحكمونك وعندهم التوراة فيها حكم الله ثم يتولّون من بعد ذلك وما أولئك بالمؤمنين.،} قبل قوله تعالى: {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون} [المائدة: 43) 44] ، هو التولي المكفّر ونفي الإيمان في الآية على حقيقته، ويؤكد هذا سبب النزول كما تقدم، فهذا لا نخالف فيه المصنف، ولا نشترط فيه الجحد لأجل التكفير.
وإنما نخالفه كما تقدم بإدراجه الترك المجرد كمعصية، الذي هو (مطلق الترك) تحت التولي المكفّر الذي هو (الترك المطلق) وبالتالي نخالفه في إنكاره على من اشترط الجحد أو الاستحلال لأجل التكفير في (مطلق الترك) وهي صورة الحكم القديمة التي يذكرها السلف عادة.
وقد وضح المصنف قصده في الخلاصة (ص866) . فذكر أن الآية عامة تتناول بلفظها العام حتى القضاة بالشرع، وهذا حق ولكن الشأن في التفصيل.
فقد جعل مناط التكفير فيها هو ترك الحكم قال: (الذي يلازمه دائمًا الحكم بغير ما أنزل الله كما دلّ عليه سبب النزول) أهـ.
وقد قدّمنا لك أن (الحكم بغير ما أنزل الله) الذي لازَمَ ترك حكم الله في سبب النزول، هو الحكم بالشرع المخترع واتباعه.
وليس هو المعصية واتباع الهوى، فهذا أيضًا يندرج تحت الحكم بغير ما أنزل الله إن فعله القاضي المسلم الذي يدين بشرع الله، لكنه قضى فترك حكم الله في الواقعة دون أن يتبع شرعًا آخر مخترع، فهو قد حكم بغير ما أنزل الله، ولكن ليس بالمعنى الكفري الطاغوتي، ولذلك اشترط من اشترط من السلف، الجحد أو الاستحلال في تكفيره شأن ذلك شأن سائر المعاصي غير المكفرة.
والخلاصة: