الصفحة 24 من 59

ومن هذا تعرف مجانبة المصنف للصواب بقوله في الموضع نفسه (ص863) : (فالله سبحانه علّق الكفر على ترك الحكم بما أنزل الله {من لم يحكم} وابن عبّاس علّقه على جحد ما أنزل الله، فأثبت مناطًا للحكم غير المناط الوارد في الآية) أهـ.

نعم، وحقَّ له أن يفعل ذلك، لأنه لا يفسّر بكلامه هنا الآية، فقد عرفت تفسير السلف لها في سبب النزول.

وإنما هو يتكلم في واقع ليس فيه مناطها، ولذلك اشترط الجحد، فقد قدّمنا لك أن لفظ الآية عام، فيشمل ظاهرها الترك المجرد كمعصية، كما يشمل الحكم بغير ما أنزل بمعناه التشريعي الكفري، فهي إن لم تفهم على ضوء سبب النزول وأبقيت على عمومها هذا، صارت من المتشابه، ولذلك تمسّك الخوارج بظاهرها لتكفير كل من عصى الله كما زعموا.

ولكن عند رد المتشابه إلى المحكم، وفهم نص الكتاب على ضوء بيان السنة النبوية، كما هي طريقة الراسخين في العلم، يظهر من سبب النزول أن مناط التكفير في الآية، هو الإعراض عن حكم الله ولو في حدٍّ واحد من حدود الشرع، والحكم بشرع آخر غيره، فهذا هو المناط المكفِّر الذي لا يذكر معه الجحد.

أما ما كان ينتقده الخوارج على ولاة زمانهم ويستدلون بالآية منزلينها على غير مناطها، فهو الذي اشترط له السلف الجحد، وأوَّلوا الآية فيه، والحق كما قدّمنا لك أن تبقى على ظاهرها في مناطها، وأن تؤَوّل إذا أنزلت في غير مناطها.

13) (ص864 إلى ص866) تكلم المصنف في (التولّي) المذكور قبل آية المائدة وقرر أن التولي هو عين الترك الذي تكلم فيه من قبل.

والصواب أن التولي أبلغ من الترك.

فالتولي نوع من أنواع الكفر كما بين الله تعالى: {فلا صدّق ولا صلى ولكن كذّب وتولّى} [القيامة: 31، 32] ، فكما أن التكذيب من أنواع الكفر وهو يقابل التصديق (فلا صدّق) (ولكن كذّب) فكذلك التولي نوع من أنواع الكفر وهو يقابل الطاعة والانقياد والاستسلام، (ولا صلى) ... (وتولى) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت